اتقاء لتدخل مصححنا اللغوي فقد رجعت إلى القاموس المحيط للفيروزآبادي ( هكذا في الأصل ) لأتأكد من جمع لفظ المنارة، التي أصلها كما يورد منورة، بمعنى موضع النور وتجمع على مناور ومنائر، وليس حديثنا عن اللغة العربية التي لم نتقنها رغم أننا قد بلغنا من الكبر عتيا.
بل عن نظرة الأحزاب الأوروبية اليمينية حول بناء المساجد في دول تلك القارة التي يعيش بها عدد لا بأس به من المسلمين بالذات في ألمانيا وفرنسا وبريطانيا والدول الأوروبية الصغيرة الأخرى كسويسرا والنمسا وغيرهما.
ولعل ما شد انتباهي حول موضوع بناء المنائر هو ما قرأته من ضجة حول بناء المساجد بشكل عام تشهده هذه الأيام إحدى المقاطعات النمساوية، وهي نفس الضجة التي ما فتئت قائمة منذ قيام الجالية المسلمة في مدينة كولون الألمانية بوضع حجر الأساس لمسجد ضخم قيد الإنشاء له حسب دير شبيغل الألمانية (19/6 ) يضم منارتين كل واحدة منهما بارتفاع 55 متراً وفناء يتسع لألفي مصلي.
فقد تقدم الاتحاد من أجل مستقبل النمسا، وهو حزب يميني بقيادة جورج هيدر بمشروع قانون لبرلمان ولاية كارينثيا يقترح فيه «منع تشييد المباني غير المتماشية مع نمط البناء التقليدي»، وفي حقيقة الأمر لو مر هذا القانون فإنه سيمنع بحكم الواقع بناء المساجد، لأن المصمم حتى لو أنه التزم بالشكل العام للمحيط المعماري
فإنه ستواجهه مشكلة بناء منارة للمسجد، التي هي بالنسبة لهؤلاء حجة يتذرعون بها للوقوف أمام بناء مساجد جديدة. والحق أن مظاهر العداء للمسلمين قد ازدادت في النمسا وربما في الدول المحيطة بها أيضاً كألمانيا وسويسرا وحتى فرنسا، ففي ولاية نمساوية أخرى بها تركز للجالية المسلمة التي أغلبها من دول البلقان
وهي ولاية فوراربيرغ أخذت هذه الولاية أيضاً تفكر في منع بناء المنائر، ومما يثلج الصدر أن الأحزاب الأساسية في النمسا، وهي البلاد التي يمثل فيها المسلمون أكثر قليلاً من أربعة بالمئة (أكثر قليلاً من 300 ألف مسلم)
هذه الأحزاب الرئيسية لا توافق على تلك السياسة وأبرزها الحزب الاجتماعي الديمقراطي وحزب الخضر إلى جانب النقابات العمالية والأحزاب اليسارية التي ترى خطراً في نمو الأحزاب اليمينية بوصفها أحزاباً فاشية.
ولعل مظاهرة الأحزاب اليمينية الأوروبية التي رافقت وضع حجر الأساس لمسجد كولون، والذي حظي بموافقة جميع الأحزاب في برلمان الولاية فيما عدا تجمعاً نيابياً تحت اسم «مبادرة المواطنين» وهي منظمة يمينية تحتل خمسة مقاعد منذ يونيو الماضي، بينت خطورة نمو تلك الأحزاب
خاصة أن الكثير من المنظمات والقوى اليمينية في النمسا وبلجيكا وسويسرا وغيرها كانت ممثلة وحاضرة في تلك المظاهرة الألمانية، مما يعني وجود تحالف عريض من القوى اليمينية ضد المسلمين بوجه عام وضد تواجد العمالة الأجنبية بشكل عام.
ومن الجميل أنه كان يقف على مبعدة من تلك الجموع اليمينية، قوى المجتمع الألماني المناهضة للعنصرية كعمدة كولون وممثل عن الحزب الاجتماعي الديمقراطي وغيرهما وقد حملوا وروداً حمراء وملصقات تمثل أبرز الكاتدرائيات المسيحية، ودور عبادة اليهود وأيضاً صوراً للمسجد المزمع إقامته. وتجمعهم بالطبع يمثل روح أوروبا التعددية ونزعتها في احترام حرية الأديان.
وفي مقابلة مهمة أجرتها مجلة دير شبيغل الألمانية ( 29/1 ) على موقعها في الإنترنت مع الخبير بالحركات والأحزاب اليمينية في أوروبا السيد أوليفر جدن، وهو عضو في المعهد الألماني لشؤون الأمن الدولي،
يرى هذا الخبير أن الأحزاب اليمينية في أوروبا وعلى وجه الخصوص في ألمانيا والنمسا وسويسرا أخذت تطرح مسألة بناء المساجد كموضوع لشد انتباه الرأي العام وتحقيق الشعبية من خلال مثل هذه الموضوعات التي تدغدغ العواطف.
ويذهب الخبير جدن إلى أن تلك الأحزاب لا تستطيع منع المسلمين من بناء مساجد لهم، كما يحاول حزب الحرية اليميني في النمسا الآن في الولايتين المشار إليهما، لأن مثل هذا الطلب سيتم رفضه من قبل المحاكم الدستورية التي سترفض المنع على اعتبار أنه مخالف لحرية العبادة وانتقاص لأحد الحقوق الأساسية للإنسان.
وقد اختارت هذه الأحزاب تكتيكاً آخر غير الدعوة إلى منع بناء المساجد كقضية انتخابية تطرحها لجمع الأصوات والتكسب السياسي، إذ هي باتت تطرح موضوع عدم بناء منائر للمساجد، كما نجح حزب الشعب السويسري في الضغط من أجل أن ينص على ذلك في دستور البلاد بعد أن جمع 100 ألف توقيع.
أما لماذا إصرار هذه الأحزاب على رفض بناء المنائر تحديداً فيشير جدن إلى أنها تمثل عند هؤلاء تحدياً وترمز إلى «سيادة الإسلام وعظمته». ويرى الخبير جدن أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر والأعمال الإرهابية الأخرى كتلك التي وقعت في بريطانيا واسبانيا، هي وراء خلق أرضية لمثل هذه الأحزاب بالتحرك،
إذ أصبحت قاعدتها الاجتماعية أوسع بعد أن كانت تلك القاعدة تميل إلى تأييد الأحزاب المحافظة المعتدلة. وبالتالي، فإن إثارة مثل هذه القضايا ستوسع من قاعدتها على حساب تلك الأحزاب المحافظة العريقة كما حدث مؤخراً في الانتخابات السويسرية.
وهو ينصح الجالية المسلمة في الديار الغربية بفتح حوار مع مواطنيها وتوضيح الصورة الجلية للدين الإسلامي الذي تشوهت صورته عند الرأي العام الأوروبي بعد الأحداث الإرهابية الدامية التي وقعت في السنوات الماضية، وينصحهم أيضاً بغض الطرف عن أطروحات اليمين المتطرف وعدم الرد عليها لأنها أطروحات استفزازية المراد منها كسب الشعبية.
ولا شك أن هذا الوضع يتطلب من الجالية المسلمة وعياً وإدراكاً للمرحلة التاريخية التي تمر بها أوروبا، إذ إن الدعوات العنصرية سرعان ما تلقى آذناً صاغية في مراحل الأزمات كما حدث في عشرينات القرن الماضي بصعود النازية والفاشية،
ويبدو أن وقود تلك الموجة هي الموضوعات المتعلقة بالجالية الإسلامية على وجه الخصوص، وقد رأينا معركة الحجاب في المدارس العامة في فرنسا قبل مدة وشبيه بها تلك التي أثيرت في بريطانيا وهولندا.
وعليه، سيكون محتماً على الجالية المسلمة عدم إعطاء المبررات لتلك القوى كي تستغل أخطاءها وهفواتها في عملية التكسب السياسي، ولعل البعد عن التطرف والتزام الاعتدال هو أسلم الطرق. وأخيراً نقول لتلك الجاليات المسلمة المتواجدة في مشارق أوروبا ومغاربها، ما أجمل الدعوة والحوار بالحكمة والموعظة الحسنة.
كاتب كويتي