ليس خافياً على أحد أن لبنان يعيش أوضاعا متأزمة، فإلى جانب انسداد أفق الحلول السياسية هناك أوضاع اقتصادية متدهورة، والبلاد تشهد منذ فترة إغلاقا لعدد من المؤسسات وهناك بطالة واسعة بين الشباب وفقر بين الناس في حين تعيش البلاد تدهورا في الخدمات.

وهذه ليست المرة الأولى التي تقوم فيها جماهير الأحياء الشعبية للضاحية الجنوبية باحتجاجات ضد انقطاع التيار الكهربائي، وهذه الاحتجاجات ما لبثت تتنقل من أحياء إلى أخرى، وكما هو معروف،

هناك سجال دائر بين القادة السياسيين منذ فترة يدور حول استغلال القضايا المعيشية في الصراع السياسي الدائر بين الحكومة والمعارضة، وهناك أجواء مشحونة والسجالات السياسية تحمل جنوحا نحو التصعيد.

لقد تسببت هذه الاحتجاجات بأحداث شغب وسقوط 7 قتلى و20 جريحا هذه المرة، نتائج التحقيقات لم تنته بعد، لكن شهودا أشاروا إلى أن جنود الجيش اللبناني أطلقوا الرصاص على المتظاهرين.

ومن شاهد شاشات التلفزة من اللبنانيين في ذلك اليوم هالهم سقوط هذا العدد من الضحايا، لكن قلقهم الأكبر في الواقع جاء من ردود أفعال بعض السياسيين وتصريحاتهم. يقال إن الناس طبائع بل شخصيات تتكون في مسار الحياة فتعيد تشكيل وعيها مستفيدة من تجاربها،

إلا أن بعض السياسيين في لبنان ما زالوا يعيشون تاريخهم الخاص، وبالنسبة لهؤلاء الغاية تبرر الوسيلة وهم على استعداد على ما يبدو لإيقاع الشعب اللبناني في التجربة المرّة مرة تلو الأخرى. والتخوف الأكبر من أن يصبح مثل هؤلاء هم المتحدثون الرسميون لأطراف الصراع، وهذا ما قد يصيب البلاد في مقتل.

فالمشروع السياسي كان واضحاً في تصريحاتهم وهو وضع الجيش في مواجهة جماهير محسوبة على حزب الله، وذلك على خلفية تحريض طائفي يعيد إلى الأذهان أجواء الحرب الأهلية التي صدف أن انطلقت من المكان نفسه قبل حوالي 30 عاما.

وبالنسبة لهؤلاء ليس ثمة أبرياء بين القتلى والجرحى الذين سقطوا، ليس بينهم من نزل إلى الشارع ليعبر عن استيائه عفويا أو ربما ليتفرج على ما يجري أو ليسعف صديقا، كلهم يستحقون الإدانة والعقاب لتواجدهم في ذلك المكان، ولأن هؤلاء القادة السياسيين من النوع الذي يسقط توهماته ويحولها حقائق تخدم مشروعه،

فإن تصريحاتهم تتصاعد في هذيان تخويفي يصل إلى تهيؤ سيناريوهات إغلاق مطار وهجوم على أحياء سكنية وحرق ومصائب لا تحمد عقباها. يتشدقون بالحضارة ولا يهولهم سقوط مدنيين لبنانيين صرعى بإطلاق النار، وهذه الشخصيات المتلبسة منطق القوة والضعف والفوقية والدونية، من الطبيعي أن لا تجد لديهم كلمة تواسي فيها أهالي الضحايا الذين سقطوا.

واليوم هناك اتهامات موجهة إلى قيادة الجيش اللبناني بأن جنوده باتوا يأخذون الضغط على الزناد بخفة، وأن هذه الخفة باتت تتبدى تكرارا بمناسبات مطلبية اجتماعية في حين تكثر المناسبات السياسية المسلحة،

لقد أدى طرح اسم العماد سليمان مرشحا للرئاسة بدون شك إلى زج الجيش طرفا قويا في اللعبة السياسية، وذلك في بلد لا تتحمل فيه مؤسسة الجيش مثل هذه الهزات السياسية، وحتى أولئك الذين كانوا يتشدقون بالديمقراطية وثورة الأرز وجدوا في قائد الجيش منقذهم.

هناك من يلعب بمصائر الناس في لبنان ويضعهم قسرا أمام خيارات صعبة، فالناس اليوم في مواجهة فقرهم وأوضاعهم المعيشية الصعبة وأزمة نظامهم السياسي الخانقة، لا يجدون مخرجا إلا في حزم أمتعتهم ومغادرة البلاد في الوقت الذي تترك البلاد لتنزلق في مشاريع عبثية غير عابئة بمصير الوطن وسكانه،

وفي هذه الأجواء غالبا ما يقوى صوت أصحاب تلك المشاريع على صوت الحكماء. فهل سيحسم القادة السياسيون خلافاتهم ولا يسلمون مثيري الفتن زمام الكلام، أم أن الأمور ستخرج عن السيطرة وسيندمون حيث لا ينفع الندم؟