القناعة عند الولايات المتحدة الأميركية أن ما تسميه الإرهاب الدولي مصدره المنطقة العربية وبرأيها أن المفاهيم المعششة في فكر التنظيمات الإرهابية في الوطن العربي مصدرها كذلك مناهج التعليم والعادات والتقاليد السائدة لدى المجتمعات العربية.
مما يعني أن القضاء على ما يسمى الإرهاب الدولي، في التصور الأميركي، يمر عبر تغيير هذه القيم والعادات والمناهج واستبدالها بالقيم الليبرالية والديمقراطية ومناهج التعليم السائدة لدى الغرب عامة.
وللحقيقة أن الولايات المتحدة الأميركية لا تريد أن تؤسس نظاما دوليا تتواجد فيه دول تتبنى طروحات وقناعات تتعارض مع قناعاتها، فمثل هذه القناعات تريد الولايات المتحدة الأميركية أن تفرضها على المجتمعات العربية.
خاصة المجتمعات المحافظة، كالمملكة العربية السعودية مثلا ويظهر من وسائل الإعلام الأميركية أنها تقود حملة إعلامية على المجتمعات العربية والأكيد أن الحملة خطط لها في المطابخ الأميركية والإسرائيلية، فالولايات المتحدة الأميركية تعرف أن المنطقة العربية تمر بمرحلة صعبة من تاريخها من التفكك والانهيار الاقتصادي والعسكري والاجتماعي وليس في مقدرة الدول العربية مجتمعة معارضة الولايات المتحدة الأميركية أو حتى معارضة إسرائيل أو مواجهتها.
بدليل أن هذه الأخيرة عاثت في غزة فسادا ولم تجرؤ أي دولة عربية أن تتخذ موقفا مشرفا، اللهم بعض البيانات والتنديدات التي لا تسمن ولا تغني وهدفها كان إشباع غليل الشارع العربي لا غير.
يريد العديد من المسؤولين الأميركيين اليوم إشراك العرب في مخططهم الدولي الذي يستهدفنا أولا وكأن التاريخ يعيد نفسه ويذكرنا بأيام الحرب العالمية الأولى عندما طلبت فرنسا من مستعمراتها العربية المشاركة إلى صفها في الحرب في مقابل أن تمنحهم حريتهم، وهرع وقتها الآلاف من العرب إلى الصفوف الأولى يقاتلون من أجل (مبادئ الحرية والليبرالية) .
كما كانت فرنسا توهمهم به، وعندما وضعت الحرب أوزارها طالبت المستعمرات العربية فرنسا بتنفيذ وعدها الذي قطعته لهم بمنحهم حريتهم، إلا أنها تنكرت لوعدها وعاثت في البلاد العربية فسادا.
وهذا ما تريد الإدارة الأميركية أن تكرره معنا بأن نساعدها على تثبيت نظامها المزعوم ونغير من عاداتنا ونتخلى عن قيمنا ونلبس قبعة العم سام في مقابل أن تمنحنا حفنة من الدولارات والمساعدات عندها تصدق مقولة موشي دايان الذي قال عن العرب يوما إنهم لا يقرأون التاريخ وإذا قرأوه لا يفهمونه وإذا فهموه فإنهم سرعان ما ينسونه.
لقد كانت حوادث 11 سبتمبر الإرهابية بالولايات المتحدة ذريعة مناسبة كشفت فيها الولايات المتحدة عن مخططاتها الخفية وإذا كنت بداية المخطط استهدفت أفغانستان والعراق فإن دولا أخرى لا تزال أسماؤها في طي الكتمان سوف تطالها «العصا» الأميركية.
وبدأ التسويق للدولة العربية التي سوف تستهدف مستقبلا، بعد طي ملف العراق، ويتحول هذا البلد إلى محمية أميركية وقد بدأ الحديث يتسرب عن أن سوريا مرشحة لان يكون دورها في المرحلة القادمة بدليل أن الكونغرس الأميركي يطالب الإدارة الأميركية بفرض عقوبات صارمة على سوريا للزعم أنها تمتلك أسلحة تدمير شامل!!.
ولنفرض أن سوريا أو بلدا عربيا آخر يمتلك أو يريد أن يمتلك سلاحاً متطوراً أو حتى نوويا أليس من حق هذا البلد العربي أن يمتلك السلاح النووي لترجيح ميزان القوة مع إسرائيل طالما أن هذه الأخيرة تمتلك مثله وهي قادرة أن تفني بها الدول العربية كلها، فأين العدالة الدولية والديمقراطية التي تتشدق بها الولايات المتحدة الأميركية وتحاول تعميمها على دول العالم وتقول إنها نموذج يجب على دول العالم أن تأخذ به؟.
الولايات المتحدة الأميركية تتبع اليوم ذات نهج الإمبراطوريات الاستعمارية سابقا وتريد، هي الأخرى، إقامة إمبراطورية استعمارية على حسابنا، فاليوم ابتدأت بالعراق وغدا الدور على دولة عربية ثانية، وهكذا إلى أن نتحول إلى محميات أميركية نأخذ الأوامر من الباب العالي في البيت الأبيض.
ما من شك أن الدول العربية في وضع صعب للغاية فهي عاجزة عن اتخاذ أي موقف أو مبادرة من الأزمة الراهنة، والأخطر من ذلك أن حرب العراق استهدفتهم أولاً وسوف تؤثر على مكانتهم الدولية خاصة في ظل الترتيبات الدولية الجارية لإقامة النظام الأميركي الجديد.
إن الأزمة العراقية جزأت المنطقة العربية واندثرت معها مفاهيم الأمن العربي المشترك والقومية العربية والمصير العربي المشترك ومعها يطرح سؤال عن مستقبل الجامعة العربية، فهل في مقدرة هذه المؤسسة إنقاذ ما يمكن إنقاذه وترميم ما يمكن ترميمه من هذا الوضع العربي الرديء.
خاصة أن الشارع العربي يئس من قادته وهو يرى شعبا عربيا يقتل ويذبح في وضح النهار ويشعر بأنه عاجز عن إنقاذه؟؟.. هذا هو الواقع العربي المرير الذي إن لم يجر ترميمه وإصلاحه سوف يكون على حساب مستقبل الشعوب العربية التي ربما سوف تعيش تحت استعمار أميركي جديد.
فالولايات المتحدة الأميركية في حالة ثورة وهيجان سياسي وهي تشعر بنشوة الانتصار وهذه النشوة سوف تعطيها شعورا بمواصلة هيجانها وجنونها لكن هذا الجنون يطال الدول العربية أرضاء لإسرائيل التي تعد المستفيد الأكثر مما يجري في الساحة العربية.
كاتب ومحلل سياسي جزائري