في وقت بدأت فيه النخب العربية تستفيض في الدعوة إلى التحديث للخروج من المأزق السياسي الذي يعيشه العالم العربي من جهة، ولاستغلال الوفورات المالية الكبيرة التي تحققت بفعل ارتفاع أسعار النفط إلى مستوى غير مسبوق من جهة ثانية، يصبح من الضروري أن نحاط علماً وأن نتدبر كل ما يتعلق بمفهوم التحديث وما يقترب منه أو يشبهه، حتى نستبين الموضع الذي تحط فيه أقدامنا.

وبداية فإن التحديث في مفهومه البسيط يعد عملية شاملة تنقل المجتمعات الإنسانية من وضع تقليدي إلى حالة متطورة، وهي عملية متعددة تفترض تغيرات في كافة حقول الفكر والنشاط الإنساني، ولذا فهي «كل متماسك» تتبدى مظاهره الأساسية في التمدن والتصنيع وتطبيق الديمقراطية وانتشار التعليم وانخراط وسائل الإعلام في بناء المعرفة، وحدوث نقلة جوهرية في القيم والمواقف والتوقعات. والتحديث يبدو في نظر دارسي الاقتصاد متعلقاً بتوظيف الأساليب التقنية المتقدمة في السيطرة على قوى الطبيعة ومواردها، بغرض تعزيز رفاه الفرد.

وفي نظر دارسي الاجتماع يتعلق بظهور أبنية اجتماعية جديدة ذات وظائف مختلفة، وإن صاحبتها أعراض سلبية المستوى الشخصي مثل الاغتراب والتفكك الأسري وتراجع مكانة الأسرة الممتدة في التنشئة، أو على المستوى الاجتماعي مثل الاضطرابات المذهبية والعرقية والطبقية.

وبالنسبة لدارسي السياسة فيلفت انتباههم أن التحديث تصاحبه مطالب جماهيرية من السلطة، ويرصدون كيفية تعامل الحكام مع هذه المطالب. ويركز الفلاسفة على سبل تغيير الأفكار والتصورات الذهنية بما يقود إلى تجذير العقلانية.

ويمثل التحديث بالنسبة للمختصين في العلوم الطبيعية التطورات الملموسة والاكتشافات والطفرات التي يشهدها مسار هذه العلوم، وتأثير ذلك على أوجه الحياة الإنسانية بوجه عام، ويبرز في هذا المضمار أولئك الذين ينصب اهتمامهم على الأبعاد الاجتماعية لهذه الاكتشافات.

وهناك بعض المفاهيم التي يخلط البعض بينها والتحديث مثل التغير الاجتماعي والتغير السياسي والتحضر والتنمية السياسية والتصنيع والمجتمعات الجديدة. وقد تكون هناك قسمات مشتركة أو خصائص متشابهة بين هذه المفاهيم، أو أنها تتداخل مع مفهوم التحديث في كثير من الجوانب لكن أي منها لا يؤدي الرؤية الشاملة التي يمتلكها.

فالتغير الاجتماعي يتم في الجوانب التي يبدو من الضروري تبديلها، سواء كان هذا التبديل تعديلاً محدوداً أو ثورة شاملة. أما الجوانب التي هي حيوية للحفاظ على النسق الاجتماعي وضمان استمراره، مثل التنشئة الاجتماعية والضبط الاجتماعي والموروث الثقافي، فليس من الضروري إزاحتها واستبدالها، حتى نكون بصدد تغير اجتماعي.

ولذا فإن دراسة الظواهر الاجتماعية تفرض ضرورة النظر إلى وجهي الصورة. الثبات في الحركة والحركة في الثبات. إذ إن المجتمع يوجد في شكل تتال زمني، فهو دائم الحدوث، وليس شيئاً حادثاً بالفعل أو كائناً، وهو عملية وليس نتاجاً.

ويبدو هنا أن التغير الاجتماعي لا يأخذ الشكل الجذري والشامل الذي يطالب به التحديثيون، بل يقر بأن هناك ثوابت اجتماعية، تمثل خصوصيات، يصبح بقاؤها ضرورة للاستقرار الاجتماعي، وإذا كان لا بد من تغيير السلبي فيها فإن ذلك من الممكن أن يتم بشكل متدرج، حتى لا تحدث هزات تفقد المجتمع استقراره.

أما التغير السياسي فيعني التحول في البنى أو العمليات أو الغايات السياسية بما يؤثر على توزيع وممارسة القوة السياسية بمكوناتها، السلطة والإجبار والنفوذ، سواء داخل الدولة الواحدة أم في علاقات الدول.

وقد يأخذ التغير السياسي شكل تكيف النظام السياسي مع المطالب والضغوط والتوترات التي تفرزها التغيرات في البيئة الاجتماعية، كما قد يأخذ شكل قيام نظام جديد على أنقاض القديم عبر ثورة أو انقلاب. ولا يقتصر التغير السياسي على الأوضاع الداخلية بل يمتد إلى فضاء العلاقات الدولية.

وما سبق يظهر وجود فوارق كبيرة بين التغير السياسي والتحديث، إذ إن الانقلاب أو حتى الثورة لا تعني بالضرورة حدوث انفتاح سياسي وإصلاح اقتصادي وتطور اجتماعي، بل قد يكون العكس في بعض الأحيان، الأمر الذي يعني أن التغير السياسي لا يتبعه التحديث على الدوام، لكنه قد يهيئ المناخ، أو يفتح الباب أمام العصرنة.

أما مفهوم التنمية السياسية فيعني الانتقال إلى نظام سياسي أكثر قدرة على التعامل مع المشكلات المطروحة، والاستجابة للمطالب النابعة من بيئته الداخلية والخارجية، وقد يعني أيضاً السلوك أو العملية التي ترمي إلى إقامة حكم مستقر تتوافر له الشرعية والقيادة الفاعلة. وهناك من يربط هذا المفهوم بالتنمية الاقتصادية، باعتبارها نتيجة للنمو السياسي، نظراً لأنه يوفر لها الاستقرار والأمن الداخلي وقواعد القانون التي تمنحها أسس الانطلاق والتطور.

ويكافئ البعض بين التنمية السياسية ونمو المؤسسات والممارسات الديمقراطية، في حين يحصرها آخرون في تطور قدرات النظام السياسي على تعبئة الموارد المادية والبشرية في سبيل تحقيق أهدافه، أو أنها عملية بناء الدولة القومية، لكن النظرة الأكثر شيوعاً تربط التنمية السياسية بارتفاع درجة تعقد وتخصص وتمايز المؤسسات السياسية، بغض النظر عن طبيعة النظام السياسي، ديمقراطياً كان أم تسلطياً.

وبالنسبة للتصنيع فإنه يطلق على المجتمع الذي يعتمد في بناء سياسته الاقتصادية على الإنتاج الصناعي، وتتجلى ملامحه في كون الصناعات الكبيرة هي التي تشكل إنتاجه الغالب، أي الصناعات الاستراتيجية التي تمثل أهم الموارد الأساسية للدولة.

وهنا يبدو التصنيع أحد أوجه التحديث، خاصة في الجانب المرتبط بالتنمية الاقتصادية، أو التحديث الاقتصادي، لكنه لا يمكن أن يحل محله أو يؤدي الوظيفة نفسها الذي يؤديها مصطلح التحديث في شموله وتعمقه الاجتماعي من الناحيتين النظرية والتطبيقية.

وينطوي مفهوم التحضر على حركة الناس من المجتمعات المحلية، القروية خاصة، إلى مناطق تسود فيها أعمال مختلفة عن تلك التي كانوا يقومون بها في مجتمعاتهم الأصلية، الأمر الذي يعني، على وجه أكثر تحديداً، التحول من عمل زراعي إلى عمل مختلف.

وللحضرية، كطريقة حياة، بعض الخصائص كالإقامة في المدن، والعلاقات الاجتماعية السطحية، والافتقاد للتعبير الذاتي والتلقائي، والفردية والانعزال، والتصرف بعقلانية بقدر الإمكان.. الخ.

لكن هناك من يرى أن مصطلح «التحضر» فضفاض وغير واضح الحدود والمدلولات، ولذا ذهب المتعرضون لتعريفه في اتجاهين من أجل الإحاطة بشتى جوانبه، الأول يعتمد التعريف الديموجرافي للتحضر، من خلال التركيز على عدد سكان الوحدة الاجتماعية، بحيث إذا تعدى هذا العدد حداً معيناً نكون بصدد «مدينة»، أي وحدة اجتماعية حضرية، وإذا لم يصل إلى هذا الحد كنا بصدد «قرية» أو «بلدة».

والثاني يتبنى التعريف الاجتماعي فيركز على أنماط الحياة الاجتماعية السائدة داخل الوحدة السكانية. وركب البعض التعريفين السابقين في محاولة للخروج بمفهوم شامل للتحضر، بعد إضافة العناصر المتصلة بالنمو الاقتصادي والتغير الاجتماعي ونمط الحياة ومنظومة القيم السائدة والبنية الثقافية للمجتمع.

وما سبق على اختلافه أو تنوعه يعني أن التحضر مرتبط بالتمدين، أي أسلوب المعيشة في المدن، بينما التحديث يسعى إلى تغيير المجتمع من التقليدية إلى وضع عصري، سواء كان هذا المجتمع مدينة أو قرية أو غيرهما.

أما مصطلح المجتمع الجديد فلا يعدو كونه جزءاً من المجتمع الأساسي نفسه نشأ بفعل ظروف اجتماعية معينة أو تلبية لسياسة محددة أو نتيجة لبرامج مخططة، من أجل مواجهة مشكلات الكثافة السكانية أو تطوير الإنتاج أو لتغيير أساسي يراد إدخاله على المجتمع القائم بتحريك بعض عناصره، أو في سبيل تلبية متطلبات التنمية.

ومن ثم فإن المجتمعات الجديدة هي أجزاء من مجتمعات قائمة بالفعل أشمل أو أكبر، وهي جماعات متكاملة أريد لها أن تقوم في مناطق بعيدة أو قريبة من الجماعات المتواجدة والمستقرة، لها مقومات المجتمع القديم، من حيث بنية النظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي.

ومع ذلك تعمل بعض الدول، في معرض سعيها إلى تلافي عيوب مجتمعاتها القديمة، إلى إضفاء معالم تحديثية على المجتمعات الجديدة بقدر الإمكان، لكن هذا لا يعني، بأي حال من الأحوال، تطابق المفهومين، سواء على المستوى النظري، أو المستوى التطبيقي.

مدير مركز أبحاث ودراسات الشرق الأوسط ـ القاهرة