لقد كان انعقاد مؤتمر اللغة العربية والتعليم الذي أنجزه مركز الإمارات للبحوث والدراسات الاستراتيجية برعاية كريمة من سمو الشيخ منصور بن زايد وزير شؤون الرئاسة في مدينة أبوظبي فرصة طيبة لتدارس شؤون لغتنا الأم في مناهج التعليم العام، وقد انبرى لمدارسة واقعها نخبة من العلماء والتربويين المعنيين مباشرة بالتدريس والتأليف والتخطيط والإشراف.
وإذا كان عقد مؤتمر لا يعني حل المشكلات المتراكمة التي تدخل فيها عوامل مختلفة من سياسية واجتماعية وإدارية وتعليمية وتربوية وفنية، فإن مجرد عقد المؤتمر علامة مهمة على الاهتمام المتزايد من أعلى المستويات باللغة العربية نرجو أن نجد لها ترجمة واقعية في تعليمنا العام، وبمثابة جرس إنذار ينبه العاملين في الحقل التربوي على أن اللغة العربية هي هويتنا وعنوان وجودنا.
وأن تطويرها لا يجوز ان يتم بعيداً عن سياسة الدولة التي تحتفي بها وتنزلها المكانة التي تستحق، وأن تنبه المسؤولين على أن تطوير مناهجها يجب أن يستجيب لشروط التطوير المتبعة، حتى لا يكون الارتجال والتسرع عاملين يهدمان ما شادته الجهود المتعاقبة.
أقول كان المؤتمر فرصة ثمينة لمناقشة واقع تعليم اللغة العربية في العالم العربي، والحديث عن بعض التجارب العربية، والتركيز على واقع اللغة العربية ومناهجها وتدريسها وتقويمها في دولة الإمارات العربية المتحدة. وقد قدم بعض الباحثين بحوثاً جادة أسهمت بعمق في تحليل واقع تعليم اللغة العربية.
وكانت أمينة في التحليل هدفها الموضوعية التي تشير إلى مواطن الخلل والعيوب من دون أن تتنكر للجهود المبذولة في سبيل تطوير مناهج اللغة العربية التي تشرفت بالإسهام المتواضع على مدى سنوات في خدمتها. ولا يمكن للمنصف أن يتجاهل الطابع الاحتفالي والارتجالي لبعض العروض السريعة، وهذا شيء نجده في كثير من المؤتمرات على طول البلاد العربية وعرضها.
وهو أمر يجعل إعادة النظر في المؤتمرات أمراً مطلوباً، حتى لا تتحول المؤتمرات إلى ظاهرة صوتية يتبارى فيها المتحدثون في إظهار براعتهم الخطابية بعيداً عن التحليل والتفسير والتقويم. فليست مهمة مثل هذه المؤتمرات أن تكون بديلاً للخواطر والآراء والنقاشات والمقالات الصحفية، بل إنها مجال للبحوث الميدانية أو النظرية والشهادات المنبثقة عن خبرات ذات علاقة.
ومن الغريب أن بعض الذين يحضرون هذه المناقشات يبدون أشبه ما يكون بالمتفرجين على مقاعد المدرجات في مباريات كرة القدم، يتوجهون إلى ما يجري بروح التعصب للفريق الذي يشجع بعيداً عن الموضوعية؛ إذ يبدو الحديث الموضوعي عن بعض ما يدعو إلى النقد والتوجيه في واقعنا التربوي دافعاً للنقد الشخصي والتنفيس عن مواقف ذاتية تعيدنا إلى الفكر الاستشراقي الذي ساد زمناً في الاختزال والتعميم.
إن نقدنا لواقعنا التربوي لا يبيح لأيٍّ كان أن يدّعي العصمة ويتصور أن واقع اللغة العربية في البلاد العربية بخير، فالذين يتحدثون بحنين رومانسي عن التعليم في البلاد العربية في الحقب الماضية المتراخية لا يمكنهم أن يتحدثوا عن الواقع الحالي بمثل هذه الرومانسية، فضعف المستوى ظاهرة عامة، ورجال التربية والتعليم يجأرون يالشكوى في العالم العربي كله لا نستثني منه أحدا.
ولقد اطلعت على مقالات وتعليقات في الصحف العربية تتحدث عن هذا المؤتمر من خلال مواقف ذاتية انطباعية؛ فبعضهم يعمم من خلال نظرة استعلائية تخلط بين الحابل والنابل، ولا يجرؤ، وربما لا يريد أن يتناول أشخاصاً بأعينهم فيعمم ويختزل ويتحدث عن عدم وجود فرق بين المؤتمرات العلمية واللقاءات الحزبية. ولعل فيما قاله وجه من الحق بل وجوه من الحق، ولكن «ما هكذا يا سعد تورد الإبل»!
وأما الطامة الكبرى ففي ما ذكره بعض الشوفينيين المتعصبين الذين وقفوا موقفاً قُطرياً ذميماً، ويفترض فيهم أنهم وحدويون، فلا يجدون محمدة إلا وألصقوها ببني جلدتهم الأدنين، والمتابع لما جرى يعلم أن ما ورد على لسان أحد المعلقين الأذكياء في وصفه للمؤتمر ـ كما ورد قبل قليل - يعنيهم هم دون غيرهم.
فقد قدموا خطباً مؤثرة ينطبق عليها قول القائل «تسمع جعجعة ولا ترى طحناً»، بل إن كاتب المقال الذي انتفخ فخرا وتعاليا بما يراه تفوقا لبني جلدته يستند في أهمية المتحدثين إلى الكثرة العددية وقد اتضح في وقائع المؤتمر أن الكثرة العددية ليست ذات دلالة على الإطلاق.
وإنّ المرء ليصاب بالذهول حقا حين يرى أنّ كل ما تعلمه ومارسه طوال سنوات دراسته وتدريسه حول مفهوم المؤتمرات العلمية وأهدافها وشروط المشاركة فيها يتبخر ويتلاشى تحت وطأة أحاديث وخطب وخواطر لا علاقة لها بمفهوم البحث العلمي ولا قرابة بينها وبين الدراسات العلمية الرصينة التي يفترض أن تكون في مثل هذه المؤتمرات واللقاءات المسمّاة علمية، ثم يأتي -بعد ذلك ـ من يرى أنّ هذه الخطب هي دليل التفوق ومدعاة الفخر له ولكل بني جلدته. إنّها مفارقة فاقعة تشير إشارة قاطعة إلى هوّة القاع الذي سقطنا فيه.
إن مناقشة قضية اللغة العربية يجب أن تعلو على كل ألوان التعصب والهوى، فالنقد يجب أن يكون موضوعيا، هدفه الوحيد البحث عن الحقيقة والتشخيص الأمين لواقع اللغة العربية، واجتراح الحلول والتفسيرات وأشكال التقويم للنهوض بمستوى لغتنا العربية، وهذه غاية أكبر وأعظم من أن يتبارى فيها المتعصبون في إظهار ما في نفوسهم من سواد.
إننا نحلل ونشخص ونقوّم بروح الموضوعي المحب للغته الحريص على رفعتها المعتز بهويته ووطنه وقوميته من دون نظر إلى عرق أو قطر بعينه، فالعربية لساننا الذي يظلنا ويؤلف بين قلوبنا، فكيف نجعله أداة للتعصب الأعمى والأهواء والتباري والاستعلاء على بعضنا البعض؟
وليس من المستغرب في مثل هذه الأحوال أن يحتشد عدد من الحضور لاستغلال ما قيل من نقد موضوعي هدفه الوقوف على مواطن الخلل والبدء بمراجعة حقيقية لعناصر العملية التعليمية برمتها لاستنتاجات مريضة قائمة على التعصب والشوفينية والادعاء بالفوقية، والكل في قارب واحد ولا يعفي أحداً من المسؤولية دفن الرؤوس في الرمال.
جامعة الإمارات