في يوم واحد حظي أولمرت بما يوازي جائزتين. لجنة فينوغراد، حفظت، في تقريرها عن حرب يوليو 2006، رأسه. والمحكمة العليا في إسرائيل أجازت له حصار غزة. تزخيم وإطلاق يديه على مداهما، للامعان في سياسات التعنيف؛ وفي مواصلة التخريب على أنابوليس وعملية السلام والمفاوضات.
بالمقابل وفي يوم واحد، ازداد التأزم الفلسطيني، بخصوص معبر رفح. كما أن المساعي تعثرت لإعادة «فتح» و«حماس»، إلى طاولة الحوار. إسرائيل تعزز من وضعها ومواقفها. بينما الساحة الفلسطينية تمعن في زعزعة أحوالها الداخلية. معادلة تخدم إسرائيل على أفضل ما يكون؛ واستطراداً تزيد في مراكمة الخسائر الفلسطينية، التي بدأت تهدّد بالأخطر والأدهى.
التحقيق الإسرائيلي بالحرب، تحدث عن إخفاقات كبيرة، سياسية وعسكرية. اعترف بالفشل في تحقيق الأهداف. تحدث عن قصور وعجز وعيوب؛ على المستويين السياسي والحربي. لكنه وزّع المسؤوليات وبذلك أعفى أولمرت؛ ورد عنه احتمال الإطاحة بحكومته.
وما كان متوقعاً حصوله، لم يحصل. فلا زلزال حكومياً؛ ولا هزّة سياسية.
وذلك ما كان فقط بمثابة إجازة بقاء لحكومة أولمرت، بل أيضاً حقنة تزخيم لها. صبّ في هذا التزخيم، قرار للمحكمة العليا، تبرر له ما فعله، في غزة. قرارها وفر له الغطاء لفرض العقوبات الجماعية على سكان القطاع؛ من خلال مواصلة الحصار وتقليص «عملياً منع» دخول المواد الغذائية إليهم.
حكمها هذا، الذي صدر في دعوى رفعتها 11 منظمة حقوق إنسان ضد الحصار، زعم أن إسرائيل لم تعد في غزة؛ وبالتالي هي لم تعد مسؤولة ولا ملزمة، تجاه سكانه؛ بأي شيء؛ ما خلا الاحتياجات الحيوية والضرورية. وكأن وقف إمدادات الوقود أو تقليصها إلى حدود ضئيلة تفقد معها أي جدوى؛ ليس في عداد هذه الضرورات.
وزيادة في التضليل، بل الاستخفاف؛ زعمت المحكمة أن قرارها ينسجم مع القانون الدولي! ربما مع القانون الإسرائيلي الذي يتعامل مع الشعب الفلسطيني من موقع عنصري. لكن الزعم أنه يتوافق مع القانون الدولي هو افتئات فاقع لهذا الأخير. بل إهانة له. مسؤولية إسرائيل، تجاه أهل غزة المدنيين، أمر لا جدال فيه. وليس بوسع إسرائيل التهرب منه؛ كما قال الرئيس المصري وشدد عليه؛ أمس.
طبعاً اولمرت سوف يستند على رأي محكمته؛ ليمضي في محاولة خنق سكان غزة. لاسيما وان المجتمع الدولي عازف، حتى الآن، عن إدانة هذه السياسة. حتى لا نقول ردعها أو إنذارها بتدفيعها ثمن الإصرار عليها. مجلس الأمن فشل، بعد جلستين، في إصدار بيان رئاسي، في أقل تقدير، يدين الحصار ويدعو إلى فكّه. اعتراض واشنطن حال دون ذلك. وطبعاً كالعادة بزعم أن مثل هذا البيان ليس «متوازناً»!
مقابل كل هذه التعزيزات التي نالها أولمرت والتي يتوقع أن يوظفها في رفع وتيرة التصعيد؛ سواء على صعيد غزة والحصار والمعابر، أم على صعيد الانفلات الاستيطاني ـ والذي بدأه بكل حال ـ؛ بالرغم من كل ذلك لم تجد الأطراف الفلسطينية المتصارعة أن اللحظة قد حانت لإعادة النظر في مواقف وممارسات وشروط؛ حالت ولا تزال، دون الرجوع إلى القواسم المشتركة.
إذا كانت الخلافات قد شطحت بأصحابها إلى حدّ نسف هذه القواسم؛ فتلك مصيبة.
وإذا كانت الظروف الراهنة بكل مخاطرها ليست كافية لحمل المتخاصمين على تغليب المصلحة الفلسطينية المشتركة وإعطائها الأولوية في الحسابات والمواقف؛ فتلك مصيبة أعظم. فالذي لا خلاف حوله أن الوضع الفلسطيني ازداد انكشافه بسبب شروخه الداخلية. فهل يواصل التشبث ورفضه للحوار؛ حتى لا يسجّل عليه تراجع؟
