ذكرت بالأمس أنه ليس الفلسطينيون فقط هم المحاصرين بالاحتلال الصهيوني، بل العرب والمسلمون أنظمة وشعوباً جميعاً هم أيضا محاصرون بالهيمنة الأميركية وبترددهم في فك الحصار عن أنفسهم بأنفسهم، وأن جدار الفصل العنصري الذي أقامته قوات الاحتلال الصهيونية للفصل بين فلسطين وفلسطين، والذي حكمت محكمة العدل الدولية أنه غير مشروع وتجب إزالته، ليس الجدار العازل الوحيد على الأرض العربية.
بل إن الجدران العازلة التي أقامتها قوات الاحتلال الاستعمارية الإنجليزية والفرنسية في الماضي لتقسيم الأمة العربية، بلغت حتى الآن 22 جدارا عربيا، والبقية تأتي إن لم نتدارك الأمور ونعمل على مواجهتها، بينما لو سُئل الشعب العربي لرأت الغالبية الشعبية أن هذه الجدران يجب أن تسقط، ويمكن لمراكز استطلاع الرأي النزيهة أن تجري الاختبار..
فيما يحاول الاستعمار الجديد الصهيو أميركي في فلسطين والعراق زيادة أعدادها داخل الأقطار العربية، إلى ما هو أكثر من جدار طائفي أو عرقي أو سياسي أو مذهبي بين القوى الوطنية داخل الدولة العربية الواحدة، أو بين الدول العربية داخل الوطن العربي الواحد، أو بين الدول العربية والدول الإسلامية داخل الأمة الإسلامية الواحدة.
وهي كلها يجب أن تسقط بخطوة تاريخية رسمية تصدر عن القمة العربية، بعد استفتاء نزيه لشعوبها في الطريق إلى القمة الإسلامية.
لقد بدأ الاستعمار الجديد في اتفاقية بوش ـ شارون من حيث انتهى الاستعمار القديم في اتفاقية سايكس ـ بيكو الأولى، وذلك بالمشروع الأميركي الصهيوني الجديد المسمى «بالشرق الأوسط الكبير»، سعيا لوراثة النفوذ الاستعماري القديم في الشرق العربي الإسلامي، وعملا على الانتقال لمرحلة أخرى تتيح له بسط هيمنته وتكريس احتلاله وبسط نفوذه بتجزيء الذي جرى تجزيئه، وتقسيم الذي تم تقسيمه.
وفي مواجهة هذا المشروع الاستعماري الجديد لا بد من تعميق الوعي العربي العام الرسمي والشعبي لمثل هذا المخطط الشرير، قبل فوات الأوان وقبل أن تخرج الأزمات الوطنية عن السيطرة الوطنية، وعن السيطرة العربية، وقبل أن تخرج التباينات العربية عن السيطرة العربية فيخسر الجميع ويكون الكاسب الوحيد هو المشروع الأميركي الصهيوني الاستعماري الجديد.
وفي مواجهة ذلك من المهم اللقاء واللقاء والحوار والحوار بين الأنظمة وشعوبها وبين الأنظمة والأنظمة وبين الشعوب والشعوب، للوصول إلى توافق عربي شامل رسمي يعبر عن توافق شعبي على صياغة مشروع عربي لنتجاوز ما نحن فيه إلى ما نتطلع إليه، ينطلق من دعم صياغة مشروع وطني شامل.
خصوصا في بلاد الأزمات المشتعلة أو المتفجرة، لحصار الحرائق ومشاريع الحرائق التي تشتعل بفعل فاعل، حتى لا تمتد لتشكل حريقا عربيا تصعب السيطرة عليه عربيا، بما يتيح الفرصة للقوات الإسرائيلية والأميركية للتدخل المباشر بادعاء دور رجال الإطفاء.
وذلك بثلاثة محاور مضادة وفاعلة لمواجهة المحاور الثلاثة للمشروع الأميركي الصهيوني.. أولا.. في مواجهة واقع التقسيم الاستعماري القديم، لا بد من بلورة الرؤية العربية الجماعية لاستراتيجية الأمن القومي العربي.
وفي إطار هذه الرؤية يراعى احترام السيادة الوطنية والإرادة الشعبية معا، وذلك بكسر متفق عليه للحصار العربي الرسمي على الحراك العربي الشعبي المشروع داخل كل قطر عربي، وبين وطن عربي ووطن عربي، وتخفيف القيود على الحدود العربية العربية بفتح المزيد من قنوات العبور المنظم والآمن والحر للتواصل والمرور للتجارة والعمل والتنقل.
وبعدم تحويل الأسلاك الشائكة بين دولة عربية ودولة عربية إلى جدران إسمنتية عالية، بل بحل المشاكل الحدودية بالحذو حذو الاتحاد الأوروبي الذي أزال الحدود بين دوله، على الأقل بفتح المزيد من المعابر على تلك الحدود العربية.
ثانيا.. وفي مواجهة مخططات التقسيم الإقليمي والقومي والفتن الوطنية، لا بد من صياغة مشروع توحيدي شامل والدعوة إليه والعمل على تطبيقه بكل جدية وإخلاص ومسؤولية.. مشروع توحيدي إقليمي بين ما هو عربي وإسلامي، يتصل به مشروع توحيدي قومي بين ما هو عربي وعربي، ومشروع توحيدي وطني بين ما هو وطني ووطني، انطلاقا من ترابط توحيدي لا محوري بين ما هو وطني وعربي وما هو عربي وإسلامي.
على أساس الحوار الديمقراطي ثم الحوار والحوار من موقع الثقة والأخوة، لا من موقع الشكوك والجفاء، لتحقيق التوافق الوطني والعربي. وذلك هو الجدار العازل الوحيد الذي ينبغي بناؤه وإعلاؤه وطنيا وعربيا وإقليميا، للفصل بين التجزئة المرفوضة والوحدة المفروضة، وبين القابلية للتبعية غير المرغوبة واستقلال الأرض والإرادة المطلوبة.