معبر رفح تحول من نقطة كسر حصار، إلى عقدة فلسطينية جديدة. صار محور معركة بين «فتح» و«حماس». بين السلطة وغزة. ومصر ما بين الاثنين، بحكم حدودها؛ وفي ضوء تدفق عشرات آلاف الغزاويين إلى أراضيها، قبل أيام. وهو مرشح للمزيد من التعقيد والتصعيد.

المواقف حوله متضاربة وتنذر بتعميق الخلاف وتأجيجه، لو تعذر الوصول إلى صيغة، تكفل تعطيل فتيل الأزمة. قيادات السلطة وحماس، في القاهرة؛ وبدعوة منها، لهذا الغرض. أجندة الدعوة من بندين: قضية المعبر وموضوع العودة إلى الحوار، بين الطرفين. الأول، هو البند الساخن. لكن الخلفية والتطورات تشير، بل تؤكد، بأن الثاني هو الممر الإجباري للماء البارد المطلوب، لخفض حرارة بوابة رفح. البديل، استفحال الأزمة.

أغلقت إسرائيل هذه البوابة، في يونيو 2006، بعد أن كان قد تم فتحها في نوفمبر 2005؛ في أعقاب رحيل الاحتلال عن القطاع. يومذاك جرى اتفاق على تشغيلها؛ عن طريق مثلث السلطة ومصر ومراقبين من الاتحاد الأوروبي؛ يمدون إسرائيل، عبر الكاميرات، بالمعلومات عن حركة المرور الخاضعة لشروط نص عليها الاتفاق.

الإقفال انكسر أوقفت إمدادات الطاقة والحاجيات المعيشية؛ إلى غزة، قبل حوالي أسبوعين. تفهمت مصر دواعي الاقتحام.

الواقع الصعب الذي عاشه مليون ونصف المليون فلسطيني محاصرين ومقطوعا عنهم كل شيء إلا الهواء؛ حمل السلطات المصرية على عدم الاعتراض. لكن بعد أيام أعيد الجدار الفاصل وصار لابد من وجود آلية ترعى وتحكم المرور.

الرئيس محمود عباس يصر على عودة السلطة للإشراف على كافة المعابر ومنها رفح، كما كان معمولاً به بموجب بروتوكول 2005؛ الذي كان قد حصر التشغيل برام الله ومصر والاتحاد الأوروبي. «حماس» ترفض وتؤكد بأنها لن تسمح بذلك؛ على أساس أن هناك «واقعاً جديداً يفرض نفسه بعد اختراق الحصار»؛ ولابد من مراعاته.

كل طرف يتحدث عن أحقيته بالإشراف على المعبر؛ استناداً إلى مسوغاته؛ سواء كانت في الاتفاق المذكور أو في الواقع، المستجد على الأرض. وبقطع النظر عن مدى جدارة هذه المسوغات ووجاهة التمسك بها؛ إلا أن أسباب التباعد، بل التضارب، الحقيقية تكمن في الأزمة السياسية المحتدمة بين الفصيلين والتي بلغت حدود القطيعة منذ يونيو الفائت.

منذ ذلك الحين والملفات المطروحة يجري توظيفها، في إطار هذا الصراع؛ الذي كانت قضية المعبر والخلاف حوله؛ آخر إفرازاته. والمعلوم أن التباعد ازدادت شروخه اتساعاً، بقدر ما كانت دائرة الاتصال والتواصل تضيق؛ إلى أن وصلت حتى الانغلاق التام.

المحاولات التي جرت لوقف هذا التدهور، لم تقو على الصمود. فعمق الخلافات وغياب الجدية في رأب الصدع، كانا وراء انهيار اتفاق مكة المعروف. ثم لاحت فرصة مع بداية الهجمة الإسرائيلية الشرسة وتشديد الحصار الناري والتمويني على غزة؛ لكنها سرعان ما انحسرت وتلاشت. وكأن هناك ما يصطاد مثل هذه الفرص لتصعيد التوتر والإطاحة بإمكانات العودة عن الشطط الفلسطيني.

إسرائيل عملت، عن طريق جريمة الحصار الخانق، على إنتاج أزمة معبر رفح. وكأنها أفلحت في خلق وتصدير أزمة جديدة؛ تزيد من حدة الخلاف الفلسطيني وتزيح الأنظار عن أصل العلة التي صنعتها. التحدي أمام الأطراف الفلسطينية هو في القدرة على جعل السحر ينقلب على الساحر؛ وذلك من خلال تحويل قضية المعبر إلى جسر عبور نحو استعادة اللحمة الوطنية.

لقاء القاهرة ينبغي أن يتطور في هذا الاتجاه؛ وإلا تحول الموضوع إلى نزف جديد يصب في خدمة إسرائيل.