أصبحت «أعراس الدم» التعبير المجازي الأكثر قدرة على تلخيص المشهد السياسي العربي وبعض التخوم التي تشكل العمق الإسلامي للعالم العربي، ففي الصراع على فلسطين لا تكاد أعراس الدم الفلسطينية تتوقف، وقد يكون هذا مفهوما في صراع مع الآخر، وفي إطار العلاقة مع الخارج، لكن الجديد المخيف أن تصبح أعراس الدم تلخيصا للتدافع الداخلي.

فبين اغتيال بنازير بوتو رئيس وزراء باكستان السابق ورفيق الحريري رئيس وزراء لبنان السابق، هناك طابور طويل من الأعراس الدموية، لا لأجل «تحرير التراب الوطني»، بل ربما لأجل مصادرة مستقبل الوطن والمواطن معا!

وعندما أتأمل هذا المشهد الكئيب أشعر بالرعب من نوع الثمار التي تتساقط علينا من شجرة «التحرر الوطني» التي غرسناها بأيدينا آملين أن نقطف منها أشهى الثمار، وقد كانت هذه الحركات جميعا داعية تغيير للأفضل فكيف وصلنا هذا المنحدر؟

الإجابة تحتاج صبرا على معالجة هادئة للمفاهيم لا الشعارات، فالتغيير للأفضل عملية مركبة تتداخل فيها الاعتبارات السياسية والثقافية والاجتماعية لتشكل معا معادلة تؤدي مقدماتها لنتائجها. ومنذ بدأ العرب مشوار البناء الاقتصادي والاجتماعي بعد رحيل الاستعمار العسكري، ومصطلحات: «التنمية» و«النمو» و«التقدم» تتردد في خطاب الأكاديميين والسياسيين، بل عامة المتعلمين بلا انقطاع.

وبطبيعة الحال، لعبت السياقات الدولية عقب الاستقلال دورا في دفع معظمها لاستلهام النموذج الاشتراكي، وبسبب الصراع على فلسطين، ارتفعت أسهم المؤسسات العسكرية عربيا، كاستجابة بدت ـ آنذاك ـ طبيعية لمواجهة ذراع عسكرية طويلة.

وتفاعلت الطبيعة العسكرية لهذه الأنظمة، مع الطبيعة الاشتراكية التي أصبحت الصبغة الغالبة على اقتصادات معظم الدول العربية ـ تأثيرا وتأثرا ـ فتركت آثارا كبيرة على الثقافة، بل على بنية المجتمعات عموما.

ومع الخيار الاشتراكي، جاء تغليب التغيير من أعلى، وتهميش دور المبادرات الفردية، وغلبة مفهوم التغيير الجذري الفجائي، وأسلوب الحشد، والجماعية بصيغها المختلفة، وصولا إلى التحكم في مسار التطورات الاقتصادية، وكل ما يمكن أن يؤثر فيها.

فأفرزت الاشتراكية أدبها وثقافتها، ووصل طموح البعض لأن يحلم ببناء «الإنسان الاشتراكي الثوري»، كثمرة لعملية تحكم شاملة في عوامل التغيير الاجتماعي، فبدلا من أن يبدع المجتمع ثقافته وسياسته ونموذجه الاقتصادي، حلت الأيديولوجيا محل الإنسان، ثم تغولت فحلمت ببناء «إنسانها».

وعلى وجه القطع، فإن الأيديولوجيات الاستبدادية (الماركسية والقومية) لم تعالج مشكلة الفقر كما ادعت شعاراتها، بل كانت مصانع للفقر. وبغياب التعليم الجيد والتداول السلمي الشفاف للسلطة أصبح المناخ مهيئا لتقديس الميول الجماعية،

ثم تحولت لموقف لا يناقش و«فطرة» إنسانية، ومن هذا الباب دخلت فكرة كراهية الرأسمالية، ووصفها بأبشع الأوصاف، واعتبارها مؤامرة غربية لإفقار الشعوب، وهو موقف جماعي جماهيري غير مبرر.

ونحن لم نستطع حتى الآن «ابتلاع» حقيقة أن الاشتراكية ليست الوسيلة الأنسب للتنمية، وهي حقيقة استوعبتها دول حكمتها الشيوعية لعقود، وتحولت لاقتصاديات السوق خلال سنوات محدودة دون تقديس النظام الاقتصادي بوصفه خيارا وطنيا

. فانهيار جدار برلين أثبت أن الرأسمالية تؤمن إطارا قابلا للاستمرار لتطوير اقتصاد حديث وإدارته، بينما في عالمنا، تتهم بأنها تؤمن الرفاهية لأقلية، وسط بحر هائل من البؤس الإنساني.

وصلة السياسة بالاقتصاد لا تقتصر على عدالة توزيع العوائد، بل تشمل عملية بناء النهضة نفسها. ففي قلب السياسة تقع إجابة أحد أهم أسئلة النهوض الاقتصادي، وهو صلة الثقافة بالسلطة ودورهما في النهوض.

فالبعد الثقافي يخلق القيم والقواعد والرموز والأعراف الحاكمة لممارسة السلطة، وتوق الجماهير لقيادة «كاريزمية» نابع من أساطير تمنح مشروعية لسلطة «الفرد»، ومثل هذه القيادة تؤخر تطور دولة المؤسسات.

ويظل يحدث هذا في بلادنا ـ رغم وجود شواهد تؤكد الوعي المبكر بخطر الزعيم الفرد ـ وكما قال نابليون بونابرت، في مطلع القرن التاسع عشر: «الرجال عاجزون عن ضمان المستقبل. وحدها المؤسسات تحدد مصائر الأمم».

ومع صعود القائد «الكاريزما» يتوارى الاقتصاديون المتخصصون، ويحل محلهم مبررون ومادحون ورافعو شعارات، فيها عموم وعاطفية أكثر مما فيها من العلمية والاستجابة للمنطق والعقل، وتصبح أنشطة اقتصادية معينة مقدسة لمجرد أنها من شارات الهوية الوطنية، وكأن التغيير يحمل خيانة ضمنية للأجداد، ومن المؤكد أن علينا إجلال أجدادنا لكن دون تخريب مستقبل أحفادنا.

وغالبا يترافق صعود القائد الكاريزما مع نوع من المغالاة، وفي تجربتنا عجزت نخبة التحرر الوطني عن التمييز بين «دولة قاسية» و«دولة قوية». فالدولة العنيفة ليست دولة قوية، لأنها تعتمد بشكل رئيسي على أدوات إكراهية وإدارية لتخترق المجتمع، أما الدولة القوية فتعتمد الليونة والإقناع، فتظهر قدرة على التغيير للأفضل، بالتعاون مع مراكز القوة في المجتمع بدلا من الهيمنة عليها.

والسلطة الاستبدادية، المحررة من القيود القانونية، تتيح للدولة التصرف على نحو اعتباطي وتمنح انطباعا بالقدرة الكلية، وسرعان ما يتبدد هذا الانطباع بظهور ثغرات التطبيق. وهذه الدولة تستخدم الرمزية والمجازية لمساعدتها في الحكم، لكن نادرا ما تسعى للشرعية عبر حسن الأداء.

وقدرة دولة ما على جمع الضرائب المباشرة بدلا من غير المباشرة مؤشر موثوق عن قوتها الفعلية وقبول الشعب لشرعيتها على أساس الأداء. ويجب ألا تؤخذ ادعاءات الاستبداد في تعجيل عملية التطور بقيمتها الظاهرية.

ومعظم أصحاب القرار وكثير من مثقفينا في أذهانهم خريطة لا تميز بين السلطة والقوة، فالسلطة تعني امتلاك قوة غير مكتوبة، كما تعني التأثير الجاذب للسلوك المثالي لتلقي الاحترام والطاعة وهي تترافق على نحو قاطع مع النفوذ، لكن ليس بالضرورة مع القوة، بمعنى القدرة على إجبار آخرين على فعل ما لم يكونوا ليفعلوه لولا الإكراه.

وللتمييز بين السلطة والقوة أهمية كبيرة، لأنه اعتراف بأن الدولة لا تملك مخزونا لا ينضب من القوة الإكراهية، بشكل يسمح لها بالاعتماد عليه باستمرار، بل يجب أن تستخدم السلطة الإكراهية باقتصاد، وأن تعتمد بشكل رئيس على سلطتها لتكسب إجماعا حول سياساتها لتأمين التجاوب الطوعي.

فمفهوم الدولة القوية المشار إليه عفا عليه الزمن، ومع ازدياد الاهتمام العالمي بحقوق الإنسان والمجتمع المدني أصبحت قوة الدولة «داخليا» لا تقاس بقدرتها القمعية بل قدرتها على بلورة تراض يوازن بين الحرية والأمن.

ومن النتائج الخطيرة المترتبة على الانحياز لخيار «السيطرة» على المجتمع، تسييس دور أجهزة الأمن، وهذا الاستدعاء للأمن لساحة السياسة كما أنه يؤدي لتحول الفعل السياسي من الجدل والتنافس للصدام فإنه في الوقت نفسه يؤدي لنتيجة أخرى هي الأخطر،

إذ تتحول هذه الأجهزة لصانع قرار، وعندئذ تصبح الرصاصة والهرواة سيدتا الموقف، ومع تضخم نفوذهما فإن الأجهزة وبشكل ـ شبه تام ـ تصبح «حزبا سياسيا». وبدخول أجهزة الأمن ساحة السياسة من الباب تخرج الديمقراطية من «الشباك» وللحديث بقية.

كاتب مصري