ظاهرة النيزك السياسي الأميركي الصاعد (باراك أوباما) نجم الحزب الديمقراطي للانتخابات الفرزية الأولية لرئاسة الولايات المتحدة هي ظاهرة عالمية كما هي ظاهرة أميركية في نفس الوقت.

والسبب هو ما يسجله المراقبون من تغيرات جذرية تطرأ على توجهات ومواقف الرأي العام العالمي والأميركي في محطة تاريخية شديدة الحساسية من هذا الزمن. وكما لا يخفى على الجميع فان كل رشح أو نزلة برد تصيب واشنطن فاننا نعطس جميعا ونتناول أقراص الأسبرين أينما كانت مضارب خيامنا.

فالمرشح للترشح هو السيناتور (باراك أوباما) 46 سنة نائب عن ولاية (الينويز) الريفية وقادم من بعيد.. بعيد جدا يسعى للمكتب البيضاوي واثق الخطوة يمشي ملكا كما تقول طيبة الذكر أم كلثوم في الأطلال.

وقد بدأ الرأي العام العالمي والأميركي يربط بين هذا الرجل الجديد القادم وبين جون كيندي الذي جاء للرئاسة في أواخر الخمسينات في نفس السن الشبابية ويقارن بين السيدة جاكلين كيندي وبين حرم (باراك) السيدة ميشال روبنسن

أوباما المحامية الدولية الناجحة وخريجة جامعة هارفارد وكذلك بين ( باراك) والمواطنين الاثنين الأشهر من نفس الولاية وهما القس مارتن لوثر كنج شهيد الحقوق المدنية للسود والرئيس أبراهام لنكولن محرر العبيد.

الاسم الحقيقي للمرشح اختاره له والده الكيني المسلم الملقب بالحسين أوباما حيث سماه على بركة الله (البركة) حين ولد يوم الرابع من أغسطس عام 1961تبركا وتيمنا بهذا الولد الذي وضعته أمه السيدة (شيرلي أن دونهام) في هاواي

ولكن الوالدين افترقا بالطلاق عام 63 وتكفل جده الأبيض للأم بتربيته إلى حين تزوجت أمه من طالب أندونيسي أخذها معه إلى جاكرتا وأخذت هي ولدها باراك حيث تغذى بتجربة بلاد أسيوية بعيدة ومتعددة الأعراق وإسلامية الأغلبية. ثم رجع وهو مراهق إلى هونولولو عاصمة هاواي ليلتحق بجده للأم ويبدأ مسيرته العلمية في جامعتها.

ومع عودة أمه مطلقة للمرة الثانية من أندونيسيا لكن مع نصف أخته (مايا) استقر الشاب الطموح في لوس أنجلوس وحصل من جامعة كولمبيا على باكالوريوس في العلوم السياسية ثم التحق بجامعة هارفارد المجيدة لينال شهاداته في القانون ويفوز برئاسة تحرير المجلة القانونية الجامعية ( هارفارد لوو ريفيو)

ومن خلالها اقتحم عالم السياسة حين بدأ نشاطه في ولاية ( الينويز) ضمن صفوف الحزب الديمقراطي وفي عام 1992 نجح في ضخ دماء جديدة في شرايين الحزب بجلب 15000 مشترك جديد للحزب جعلته محل تقدير من زعماء الحزب وبخاصة المرشح للرئاسة عن الحزب الديمقراطي بيل كلنتون الذي قال حينئذ عن (البركة) «انه عطاء من السماء.

هذا الخطيب الذي يسحر الجمهور ويحقق مكاسب هامة للحزب». وحين حلت سنة 1996 وجدت الرجل السياسي جاهزا لدخول مجلس النواب للولاية بعد أن حظي بثقة النخبة وحماس الجماهير وهما الشرطان الضروريان للفوز سالكا طريق الهجوم في عمله المحلي حيث كان

كما قال عنه عرابه (كيلمان) «مصنعا للأفكار الطريفة المقبولة» إلى أن جاءت الانتخابات للكونجرس عام 2004 فواجه مزاحميه الاثنين بقوة ولكن بهدوء وحالفه حظه السعيد حين سقط منافسه (بلير هول) بتهمة تهديد زوجته بالقتل ثم سقط منافسه الثاني (جاك ريان) بتهمة اجبار زوجته على ارتياد نواد خاصة بالعادات المنحرفة. وحينها لم يبق سوى (البركة بن الحسين أوباما) في السباق نحو الكونجرس!

و اليوم يقف (البركة) على أعتاب البيت الأبيض بنخبة متميزة من أصحاب المال والنفوذ والصيت الإعلامي والثقافي الكبير وليس وحده ليصنع معجزة سياسية لم تحدث في أميركا قط وتقول الصحف أن وراءه نجد الوجه التلفزيوني الشعبي الشهير( أوبراه وينفراي) والمرشح السابق للرئاسة (جون كيري)

الذي قال عنه إنه الأقدر اليوم على طي صفحة الاخفاقات الأميركية. كما أن وراءه تبرعات مالية تصل إلى 100 مليون دولار أي نفس ما حصلت عليه منافسته هيلاري كلنتون! وهو يتمتع بتأييد مستشار الأمن القومي الأسبق زبيغنيو بريزنسكي ويسنده نجوم هوليوود

وأبرزهم (جورج كلوناي) و( أدي مورفي) و(سيدني بواتييه) لكن الدعم القوي يأتيه من النقابات والمواطنين الملونين وعدد من زعماء الكونجرس ورؤساء بلديات المدن الكبرى مثل واشنطن دي سي وأتلنتا وجيل الشباب

وما يسميه المراقبون (أميركا الصامتة) تلك التي تتكلم حين يأتي يوم الاقتراع فتغير الموازين وتقلب الواقع وتصنع المفاجأة. و نحن كعرب ومسلمين لنا مصالح ولا يمكن إلا أن نؤدي أضعف الإيمان أي أن نهتف من القلب: كلنا وراء البركة بن الحسين.

رئيس الأكاديمية الأوروبية للعلاقات الدولية بباريس

alqadidi@hotmail.com