خطاب الرئيس بوش الأخير، عن حالة الاتحاد جاء اقرب إلى مزيج من التبرير الباهت والطرح الرتيب، بعد سبع سنوات، خلا كشف حسابه من انجازات وازنة، تنزل في رصيده. كما غاب عنه ولو برنامج واحد من العيار الثقيل يكون خاتمة لرئاسته. حتى لو كان لديه أجندة يمكن ان تشكل بعض التعويم لتركته؛ فإن ترجمتها متعذرة.
لا لضيق الوقت فقط؛ بل لأن الكونغرس لن يتعاون معه لتمريرها؛ وزخمه السياسي والشعبي مفقود. وذلك لم يكن سوى تحصيل حاصل لرئاسة، سجلّها مكدّس بالأخطاء القاتلة. خاصة في مجال السياسية الخارجية؛ مع كل ما تناسل عن ذلك من امتدادات وما تركه من انعكاسات مكلفة.
عادة في مثل هذه المناسبة السنوية ـ مثل هذه الأيام من كل عام ـ يقدم الرئيس الأميركي عرضاً لما تحقق وبرنامجاً للعام القادم. وعندما يكون خطابه هذا هو فرصته الأخيرة، يقوم بتقديم جردة بانجازات إدارته؛ مع طرح ما يشبه خريطة طريق، للمتبقي من ولايته وما بعدها. خاصة إذا كانت ولايته من الصنف الدسم؛ بحيث لا يقوى الخلف على استكمال محطاتها والبناء عليها.
رئاسة بوش تكاد تكون فريدة، في هذا المقام. فقد طغى عليها ودمغها ملف واحد، خاسر ونازف منذ خمس سنوات. حربه على العراق، بعدها انكشفت خباياها ودوافعها المفتعلة؛ وبعدما تراكمت خسائرها العراقية والإقليمية والأميركية؛ تحوّلت إلى عبء هائل تنوء تحته رئاسة بوش.
بسببها وما جرّت إليه سياسات الرئيس وإدارته، هبط رصيده باستمرار ووصل إلى 29%، وفق آخر استطلاع. وهو رقم لم ينافسه عليه أحد من أسلافه؛ منذ الحرب العالمية الثانية. بمن فيهم الرئيس نيكسون؛ الذي اضطرته فضيحة ووترغيت إلى الاستقالة من منصبه.
وما زاد من التآكل في وضعه أنه لم يرفض فقط الاعتراف بالمغامرة وما أدت إليه من كوارث في العراق ومن كلفة التورط في أوحالها؛ بل واصل التشبث بها والمراهنة على خياراتها. وحتى أمس الأول في خطابه، بقي متمسكاً بهذه الخيارات؛
منوها بفضائلها؛ لجهة أنها أدت إلى خفض العنف وعدد الضحايا المدنيين في العراق؛ كما أنها وفرت الأمن في الداخل الأميركي. بل هو شدد على مواصلة العمل بها؛ خاصة لجهة استبعاد حصول أي انسحاب، في المستقبل القريب والمنظور، للقوات الأميركية من العراق؛ خلافاً لتلميحاته السابقة. فك الارتباط بالعراق أو حتى البدء به، ليس في قاموسه.
عازم على تسليم الملف إلى خلفه، كما هو. والرئيس، الباقي له أقل من سنة في البيت الأبيض، يبدو أنه في طريقه إلى الخروج فيما الولايات المتحدة تدخل في حالة ركود اقتصادي شديد؛ تتراكم عوامله بوتائر متسارعة وتؤشر إليه الأزمات المتوالية؛ من أزمة القروض العقارية ومضاعفاتها إلى الهبوط القاسي في أسواق الأسهم وأصدائه الدولية المتلاحقة.
الرئيس بوش بدأ، في خطابه هذا، العد العكسي للعودة إلى تكساس. الثابت أنه في صدد تسليم المنصب والأحوال على نقيض ما كانت عليه قبل ثماني سنوات. ليس فقط رصيده ضرب الرقم القياسي في الانحسار؛ بل أيضا رصيد واشنطن. وبالتحديد في مناطق حيوية من العالم، مثل الشرق الأوسط. وحتى علاقاتها مع دول وازنة مثل روسيا والصين؛ ليست على ما يرام.
بل هي قاربت تخوم الأزمة. خاصة مع موسكو. ولم يكن في خطابه أي شيء يشير إلى نية في التصحيح. أو حتى التلويح به. ولذلك كانت لهجته هروبية بالرغم من أن السياسات التي اعتمدتها إدارته في الخارج؛ وحتى في الداخل، كانت محاصيلها السلبية وفيرة.
