مهما حاول «منتدى دافوس» أن يضيف على نفسه شكلاً إنسانياً فإنه يبقى رمزاً للرأسمالية العالمية التي تصنع مبدأ تعظيم الربح لأقصى حد فوق كل اعتبار إنساني.
في اجتماعه هذه المرة في مدينة دافوس السويسرية (التي يتخذ اسمه منها) كان التركيز على «المسؤولية الاجتماعية» للشركات العالمية الكبرى بدلاً من مجرد تحقيق الربح بمعنى أن تبتدع الشركات لنفسها دوراً جديداً في البلدان الفقيرة بتبني مشاريع في الرعاية الصحية والتعلم ومكافحة الأمراض الوبائية عن طريق تقديم مساعدات مجانية.
ليست هذه المرة الأولى التي يتخذ فيها المنتدى «الذي يعقد مرتين سنويا» مثل هذه التوصية الإنسانية الأخلاقية، لكن عبر السنين لم يترجم القول إلى فعل على الإطلاق، وقد تعودت حكومات العالم الثالث الفقيرة ألا تأخذ مثل هذه التوصيات المتكررة على محمل الجد لإدراكها أنها تدخل في باب الدعاية ليس إلا.
وفي الاجتماع الأخير ارتقى منظمو المنتدى بالفن الدعائي نوعيا. فقد استضاف المنتدى أحد مشاهير فناني أغاني «البوب» لا ليقدم وصلة غنائية وإنما ليتحدث عن القضاء على الفقر. كان من أبرز المتحدثين في الاجتماع الملياردير المالي بيل غيتس.
وكأحد ممثلي الشركات الرأسمالية العملاقة في عالم اليوم طرح غيتس ما اعتبره «تحدي العصر» وهو كيف يمكن تصميم نظام يشتمل على الربح.. وفي الوقت نفسه إدراك ضرورة بذل المزيد من الجهود للدول الفقيرة.
هذه الوصفة طرحها هذا الملياردير العالمي كنموذج جديد أطلق عليه «الرأسمالية الإبداعية»، وهذه الوصفة قد تبدو جاذبة وجميلة وإنسانية في آن معا لكنها مع ذلك ليست سوى حلم رومانسي إذا افترضنا حسن النية وطرح خداعي إذا افترضنا العكس، وهذا ما ينطق به الواقع في المجالين النظري والتطبيق.
نظرياً لا يتوفر أي دليل في عالم اليوم بأن النظام الرأسمالي (الذي يطلق عليه من قبيل التدليل والتمويه اقتصاد السوق الحر) قد تغيرت طبيعته الجوهرية كنظام ينمو ويزدهر على أساس استغلال واستثمار أسوأ خصال الطبيعة البشرية البدائية: الجشع المطلق المبني على الأنانية الخالصة، ولا نحتاج لمراجعة ماركس لندرك هذه الحقيقة.
فقد صدع بها الخبير الاقتصادي الأميركي الشهير جون غالبريت (الذي رحل عن الدنيا العام الماضي) من خلال مؤلفاته، أما على الصعيد التطبيقي فإن أبرز الحقائق المرئية ظاهرة المديونية الأسطورية التي تمثل السبب الجذري لتكريس الفقر في الدول الفقيرة.
الدائنون شركات غربية عملاقة، والمدينون حكومات العالم الثالث، والديون تقدر بمئات مليارات الدولار تتضاعف سنوياً بفعل الفوائد المركبة، والنتيجة هي أن مبالغ القروض الأصلية التي استدينت قد جرى سدادها بالكامل عدة مرات. وهكذا يبقى الربا المركب يلتهم 90 في المئة من الدخل السنوي للدول المدينة.
فلا يتبقى شيء يذكر للصرف على الغذاء والدواء وتعليم الأطفال. ما هي إذن مصداقية منتدى دافوس عندما يتحدث أعضاؤه من ممثلي شركات النظام الرأسمالي والحكومات المساندة لها عن محاربة الفقر والمرض والجهل في بلدان العالم الثالث، المصداقية ساقطة تماماً..
لأنه إذا كان من يريد حقاً أن ينقذ الفقير من الفقر فليبدأ أولاً بإعفائه من الديون بإلغائها وشطبها تماماً. المشاركون في المنتدى يمضون معظم الوقت في إقامة علاقات عمل بين بعضهم البعض وعقد صفقات خلف الكواليس. وأما الحديث عن محاربة الفقر فهو ليس سوى إجراء تجميلي.