برغم المحاولات التي تبذلها بعض الدول لطمس معالم التوتر الإقليمي والدولي المرتبط بما بات يعرف بمشروع الدرع الواقية من الصواريخ المعادية، إلا أن التحركات والمواقف المثيرة الصادرة مؤخرا كشفت لنا عمق المرحلة التي وصلت إليها المفاوضات بشأن هذه الدرع، وأوضحت جدّية الانقسام الواقع بين الأطراف المعنية، لا سيما في تشيكيا التي من المفترض أن «تستضيف» فوق أراضيها قاعدة الرادار المتطورة.

ويمكن في هذا السياق الإشارة إلى مجموعة من المعطيات التي وفّرت قراءة جديدة لما يجري، والتي يمكن اختصارها على الشكل التالي:

أظهرت بولندا جدّية أكبر في التعاطي مع هذا الملف من خلال تبنّي الحكومة الجديدة لاستراتيجية أخرى حاولت من خلالها تحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب، لا سيما على صعيد توفير غطاء أمني شامل للأراضي البولندية ودعوتها الولايات المتحدة الأميركية لحماية تلك الأراضي من أي هجوم روسي أو غيره .

ولعلّ أبرز ما طلبته بولندا في هذا السياق هو تركيز صواريخ من طراز باتريوت أو ما يعادله، انطلاقا من حقيقة أن الأراضي البولندية ستعتبر خلال الفترة القريبة هدفا استراتيجيا للصواريخ المعادية.

إضافة لذلك فقد تبنّت الحكومة الجديدة خطة عمل ستحاول من خلالها أيضا تحقيق سلسلة من المكاسب العسكرية التي قد تترجم فعليا من خلال تزويد الجيش البولندي بمعدات أميركية متطورة، واتفاقيات تعاون جديدة، يضاف إليها بعض المكاسب السياسية وربما الاقتصادية أيضا.

وقد أثار هذا التحرك البولندي ردود فعل متفاوتة على الساحة التشيكية التي شهدت مؤخرا سلسلة من التحركات الدبلوماسية والعسكرية المرتبطة بهذا الموضوع. فقد وجّهت المعارضة التشيكية انتقادات لاذعة للحكومة بسبب ما وصفته بالموقف المتساهل الذي تتبناه حيال المنافع التي يجب على التشيك أن يحققوها نتيجة استضافتهم لقاعدة الرادار.

وحسب الآراء والمواقف التي صدرت، فأن الحكومة التشيكية تبنّت استراتيجية بالغت من خلالها بالتضحية بمصالح الوطن، انطلاقا من رغبتها على ما يبدو بربط عملية تركيز القاعدة في تشيكيا بالخيار السياسي الشامل المطلوب منه أن يحدد بشكل واضح الانتماء الجديد لتشيكيا.

هذا على الأقل ما تثبته الوقائع المحددة في المواقف الصادرة عن المسؤولين التشيك، والذين كانوا واضحين تماما في تأييدهم غير المشروط لبناء القاعدة الأميركية برغم المعارضة الشعبية الكبيرة لها.

وفي خضم هذه الأحداث استضافت براغ زيارتين أميركيتين لافتتين للنظر. الأولى رسمية شارك فيها الجنرال هنري أوبيرينغ مدير الوكالة المسؤولة عن الدرع الواقية من الصواريخ المعادية، والذي طلب بعد مشاركته باجتماع المجلس الأمني الأعلى للبلاد، تسريع الإجراءات المرتبطة بالتوقيع النهائي على الاتفاقية الخاصة بقاعدة الرادار، مشددا في هذا السياق مرة أخرى على جدية الخطر الإيراني الآخذ بالنمو شيئا فشيئا.

ولم ينس أوبيرينغ أن يذكّر الرأي العام التشيكي، بأن إيران حريصة على تطوير ترسانتها من أسلحة الدمار الشامل التي ستتمكن خلال الأعوام القليلة المقبلة من الوصول إلى أوروبا وحتى إلى الولايات المتحدة الأميركية.

أما الزيارة الثانية فهي كانت الأشوق حسب رأيي بالرغم من أنها لم تحظ بالاهتمام الرسمي أبدا، حيث شارك فيها فيليب كويل الخبير العسكري الأميركي المتقاعد الذي شغل في الفترة 1994 ولغاية 2001 منصب نائب وزير الدفاع الأميركي، وكان مسؤولا عن التجارب التي تخضع لها أنظمة التسلّح الجديدة.

وفي الحقيقة، فإن أهمية الزيارة الثانية تنبع من كونها قد ساهمت بتقديم بعد جديد للآراء الأميركية المرتبطة بالدرع الواقية من الصواريخ المعادية ومسألة الانتشار العسكري الأميركي عموما، حيث كشف كويل خلالها (وفي حضور رؤساء بلديات القرى الرافضة لاستضافة القاعدة الأميركية) سلسلة من الوقائع التي كانت مخفية عن الرأي العام المحلي وأهمها:

ـ أن المنظومة الرادارية التي تحاول الولايات المتحدة الأميركية تركيزها فوق الأراضي التشيكية هي قديمة وعديمة الجدوى وتحتوي على سلسلة من الأخطاء والنواقص، وقد تم التأكد من هذه الحقائق سابقا باعتبار أن الرادار المذكور سيتم نقله من مكانه الحالي في جزر مارشال ولن يتم تصنيعه حديثا.

ـ أن هذه المنظومة ليست كاملة بعد وتحتاج لكثير من التجارب قبل أن يتم اعتبارها جاهزة للاختبار الفعلي والعملي، أخذا بعين الاعتبار أن كل تجربة من تلك ستكلّف ما بين ثمانين ومئة مليون دولار بسبب تعقيداتها الكثيرة.

ـ إن المنظومة المذكورة مجهّزة للتعامل مع ما يعرف بالتهديد المفاجئ لصاروخ أو صاروخين، مصدرهما في هذه الحالة ووفق ما تشيعه البروباغاندا الأميركية كوريا الشمالية أو إيران.

هذا يعني بأن المنظومة لن تكون قادرة على التعامل مع تهديد مباشر تنفذه مجموعة من الصواريخ التي قد يصل عددها بين عشرين ومئة. أما فيما يتعلق بروسيا التي تملك ترسانة هائلة من الصواريخ، فأن أية منظومة مهما بلغ تطورها، لن تتمكن من ردعها بأي شكل من الأشكال وهذا أمر يعرفه البنتاغون جيدا حسب ما ذكر كويل.

ـ إن المساعي الأميركية الرامية لتركيز قواعد جديدة في أوروبا تسببت بخلق وقائع سياسية لم تكن في وارد الحسبان أبدا، أبرزها انسحاب روسيا من الاتفاقية الخاصة بالأسلحة التقليدية، والقرار الذي تبنته القيادة الروسية بإعادة تحليق طائراتها العسكرية الاستراتيجية إلى ما وراء الحدود، والتلويح في كل مناسبة باحتمال ضرب أهداف عسكرية في كل مكان إذا ما شعرت القيادة الروسية بأي تهديد يطال البلاد.

إضافة لذلك كله، فأن الوقائع الجديدة على الأرض ومنها مطالبة بولندا وغيرها بعلاقات استراتيجية خاصة مع الولايات المتحدة، سيشكّل حسب قراءة بعض الخبراء انقساما بين الدول الأعضاء في حلف الناتو نفسه، باعتبار أن بعضها قد يطالب بإعادة تفسير المادة الخامسة من ميثاق الحلف وفق متطلبات المرحلة الجديدة، انطلاقا من حقيقة أن هذه المادة تلزم جميع الدول الأعضاء بالدفاع عن أي عضو يتعرض لهجوم عسكري.

وبين المطالبة الأميركية بتسريع إجراءات التوقيع على الاتفاقية الخاصة بالدرع الواقية من الصواريخ المعادية، والتصريحات الروسية المتنامية المذكّرة بهيبة الجيش الروسي وقدراته النووية الهائلة التي لن تتردد القيادة باستخدامها إذا اقتضى الأمر، لا تزال المجتمعات التشيكية والبولندية تحاول إيجاد مبرر لانخراطها في هذه اللعبة المجنونة التي لا يعرف أحد أين ستنتهي.

ولا شك بأن دخول خبراء عسكريين مرموقين مثل فيليب كويل على الخط المعارض لبناء الدرع الواقية كان آخر ما يتمناه المسؤولين في الدول المعنية، ليس لأنه معارضا لمبدأ التوسع الأميركي باتجاه الشرق، بل لأنه كشف كثيرا من الخبايا المرتبطة بما يجري الإعداد له من صفقات جذابة.

كاتب لبناني