تعود أصول القضية اللبنانية إلى عقود خلت عندما وضع الميثاق الوطني اللبناني المحاصصة الطائفية أساساً لتوزيع الوظائف والمراكز والسلطات المختلفة. أعطيت رئاسة الجمهورية للمسيحيين الكاثوليك الموارنة ورئاسة الوزراء للمسلمين السنة ورئاسة مجلس النواب للمسلمين الشيعة.
تم توزيع الحقائب الأخرى في مجلسي الوزراء والنواب والمناصب الحساسة ومواقع صنع القرار الأخرى بشكل يتمشى مع التوزيع الطائفي كمّاً ونوعاً بحيث يرضي الأطراف الفاعلة محلياً وإقليمياً ودولياً.
من بعيد يبدو الأمر مقبولاً بل ضرورياً في بلد يتمتع بتعدد طائفي كبير كما هو حال لبنان، بالرغم من أن لبنان ليس فريداً من نوعه في ذلك المجال. جل دول العالم الآن تتمتع بتعدد طائفي وعرقي وسياسي لكن لا يوجد ما يخصص هذا لذاك إثنياً بشكل قانوني دستوري.
علاوة على ذلك يبدو الأمر غريباً في عالم اليوم السائر بخطى ثابتة نحو العولمة، وتضييق بل محو الفروق بين الأفراد والجماعات والأغلبية والأقليات، لسبب رئيسي ومنطقي بسيط من بين الكثير من الأسباب. مثلاً من غير المعقول أن يحرم أعضاء طائفة بأكملها من منصب رئاسة الوزراء أو النواب أو الدولة.
من الممكن أن يكون بين هؤلاء المحرومين من تلك المناصب من هو أكثر كفاءة وأهلية من هؤلاء المسموح لهم، وهم غارقون في ركونهم على الاختيار التفضيلي المنصوص عليه في ميثاق بات شبه مقدس لدى النافذين المنتفعين.
بالرغم من هول الأحوال الناجمة عن اتّباع نظام الحصص الطائفية إلا أن السياسيين والقائمين على الأمور لم يقوموا بفعل الحد الأدنى لتلافي نواتجه ومضاعفاته. على العكس من ذلك سعى هؤلاء، ومعظمهم إقطاعيون سياسيون منبثقون من إقطاعيين اجتماعيين قبليين، سعوا إلى توطيد ذلك النظام خدمة لمصالحهم الخاصة الضيقة على حساب عامة الشعب المنشغلين في توفير قوت يومهم.
لم تستطع حركات العصيان والتمرد والانتفاضات والحروب الأهلية الطويلة وحملات التنوير والتثقيف الثورية المكثفة من تلطيف الأمور ولو قليلاً. على الدوام بقيت أمور الشأن اللبناني مرشحة للانزلاق نحو الأسوأ وبسرعة غير عادية.
في لبنان تعددت الطوائف ومعها الحركات السياسية والأحزاب، من الأخيرة من يفوق في الثورية والدعوة إلى الديمقراطية أكثر الحركات العالمية نصعاً. لكن على أرض الواقع هيهات أن يطبق أحد تلك الأفكار والنظريات الثورية على نفسه قبل غيره، ويتخلى عن بعض امتيازاته للآخرين لحقن الدماء والطاقات الوطنية.
يزيد الأمر سوءاً عندما تطلب الأحزاب والطوائف، المتنافسة إلى درجة التناحر، تطلب المساعدة والتدخل من القوى الخارجية نكاية بالأطراف الأخرى. هذا إلى جانب دخول السلاح الناري كل بيت وبكميات تكفي لجعل كل طرف طائفي لديه ثقة بنجاح الحسم العسكري لصالحه ضد كافة الأطراف الأخرى المعادية.
في ذلك يسجل للأحزاب السياسية والطائفية اللبنانية صفة الثقة بالخارجي على الإخوة في الوطنية والمواطنة. المؤسف في الأمر أن الدول الخارجية تتسابق في تقديم العون العسكري مدعوماً بالسياسي والمعنوي للفئات التي تعتبرها أقرب إليها.
حديثاً انقسم الشعب اللبناني إلى معسكرين رئيسيين متنافسين سياسياً على الحكم والسلطة. نشأ هذان المعسكران بُعيد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري. حمل الفريقان المتناحران عنواناً تأريخياً لكل منهما، الأول فريق 8 فبراير! (فريق المعارضة) والثاني 14 آزار (فريق الموالاة أو الأكثرية!) من نفس العام الذي اغتيل فيه المرحوم رفيق الحريري.
في حملاتهما الإعلامية الفريقان المتناحران على صواب وخطأ في آن معاً في كافة الأمور التي يطرحانه!. لكن الخطأ الأكيد والمشترك للفريقين هو في عدم الاستفادة من أخطاء وصواب كل منهما لمصلحة لبنان وشعبه وتجنيب الأخيرين الويلات المحتملة.
تدخلت القوى الخارجية حتى بات يحسب الفريق المعارض مع محور إيران وسوريا في حين لجأ الفريق الموالي إلى محور الولايات المتحدة وفرنسا. مع تصاعد التوتر بين المحورين الدوليين بات الوضع مرشحاً للتصعيد بناء على المتغيرات في الظروف والمواقف الدولية، التي يترعرع إقطاعيو السياسة اللبنانيون على الترويج لها في بلادهم بطريقة أو بأخرى.
على مدى التاريخ الحديث امتاز الساسة اللبنانيون بولعهم في طلب المساعدة من الغير وانتقادهم لها أو حتى استعلائهم عليها قبل وخلال مرحلة مرورها بالفشل المؤكد. في الماضي البعيد والقريب كما في الحاضر تركزت المساعدة من الأمم المتحدة ومجلس الأمن والجامعة العربية وبدرجة أقل من منظمة المؤتمر الإسلامي؛ وبدرجة أكبر من العربية السعودية والعربية السورية.
لكن الجميع يعرف أن لا السيد «بان كي مون» ولا السيد عمرو موسى القادمين من منظمتين مشلولتين بامتياز يحملان عصا سحرية لكل منهما لحل أزمة مستعصية كما هي حال القضية اللبنانية. عادة ما يواجَه الطرف الوسيط في الأزمة اللبنانية بسلة واسعة مزحومة من المطالب تصيب مهمته بالشلل وتعيده إلى مكان عمله الأصلي خائباً، بعدما تجشم عناء السفر ومحاولة تجميع الأطراف المتخاصمة للجلوس حول طاولة واحدة.
في اليوم التالي لإعلان فشل المهمة تقوم وسائل الإعلام المحلية والإقليمية والدولية بتحميله مسؤولية الفشل، بالرغم من أنه قد لا يعرف عن تلك المشكلة إلا قشور القشور التي لا تساهم في تقديم الأمور إلى الأمام ولو خطوة واحدة. لكن السبب بسيط وواضح هو تعبّط الوسيط لأمر خارج نطاق استطاعته وكان عليه أن يدرس الوضع جيداً قبل الإقدام على الولوج فيه.
إذا ما كان هنالك من حل أو حلول للقضية اللبنانية فإن مفاتيحها في كلها أو جلها هي في يد قيادات لبنان السياسية وغير السياسية. هؤلاء على قلتهم مقارنة مع الشعب قادرون على الجلوس على طاولات مستديرة والتعاطي مع الأمور بواقعية أكثر.
على سبيل المثال لا الحصر لماذا يكون انتخاب رئيس للبنان بحاجة إلى تدخل دولي أو إقليمي أو من قوى دولية أو إقليمية كبيرة؟!. بعبارة أكثر تخصيصاً ما الذي يجعل فريقاً يصر على تسمية العماد ميشال سليمان رئيساً في حين يمانع الطرف الآخر، وهكذا دواليك؟!. لماذا يتحول الأمر إلى مشكلة مزمنة في دولة تعتبر من الدول المتقدمة نسبياً في مستوى التعليم والتثقيف وإدارة الأزمات والديمقراطية؟!.
لا تستطيع القوى المحلية أو الإقليمية أو الدولية المحايدة المحبة لفعل الخير الدخول إلى دائرة حل الأزمة اللبنانية المستعصية. يتمتع سفراء الدول اللاعبة بالقسط الأكبر من الدور في الحياة اللبنانية السياسية والاجتماعية والإدارية. كل دولة من الدول اللاعبة تريد من لبنان أن يتشكل على هواها ويساهم في بسط نفوذها الخارجي وتحقيق طموحاتها ومشاريعها وإستراتيجياتها السياسية الدولية أو الإقليمية.
في هذا الاتجاه لا أحد يقدر على تلافي أو الحد أو إلغاء تلك الأدوار التي باتت تأتي بدعوات ملحة من داخل لبنان نفسه. الصخرة اللبنانية مليئة بالشقوق التي تتسع لكثرة من اللاعبين الدوليين المولعين بخلق واقع مرير من التجاذبات التي تعصف بلبنان وما حوله أوطاناً وشعوباً وسياسة ومستقبل أجيال.
القضية اللبنانية مثلها مثل القضية الفلسطينية والعراقية والصومالية والسودانية، فيها الدعوة مفتوحة لأية قوة خارجية للتدخل. في منظومة دول العالم الثالث التي يعتبر لبنان جزءاً منها فإن الأحزاب السياسية الكثيرة تقف حجر عثرة في وجه الاستقرار السياسي والأمني والاجتماعي.
تساهم تلك الأحزاب في ظاهرة شرذمة الشعوب و«تشظّي» جبهته الداخلية والاجتماعية والإدارية. على الدول النامية أن توفّق بين إعطاء التراخيص للأحزاب وبين مساهمتها في استقرار الأمور بشكل بنّاء، ذلك أسوة بما يحدث في الدول المتقدمة التي تشهد استقراراً مقبولاً. ما الفائدة المرجوة من أحزاب تعمل ليل نهار على تقويض أمور المجتمع ونشر المحسوبية والفساد في أركانه؟!. لن يهدد ذلك التقدم الديمقراطي في بلد، على العكس من ذلك سيكون له مؤازراً.
جامعة الإمارات