النشرة الإخبارية المتلفزة توشك على نهايتها ولا خبر حتى الآن عما يجري في قطاع غزّة. وفي الصفحة الأولى لا عنوان ولا إشارة، ولا شيء في الثانية، ولا شيء في صفحة الأخبار الدولية، بل ولا خبر حتى في زاوية الأخبار القصيرة التي تعرفها كل الجرائد. ربما جرى الحديث في نشرات أخرى وعلى صفحات الجرائد البارحة أو قبل البارحة.. لكن هذا لا يعفي أمام ما يعيشه أبناء غزّة من قتل وقصف وحصار في ظل حالة هي من بين الأكثر قسوة وظلاما منذ فترة طويلة.
المثير هو أنه عندما يتم الحديث عن الموضوع فإنه يكون تحت عناوين من شاكلة «إسرائيل تحاصر غزّة كي يتوقف إطلاق الصواريخ منها». هكذا تتعامل وسائل الإعلام في فرنسا اليوم مع ما يجري في غزّة..
يقال الكثير عن تحيّز وسائل الإعلام في الغرب عامة لإسرائيل. هذا تمكن قراءته بسهولة من العناوين، والتفاصيل أيضا. الاستثناءات تثبت القاعدة ولا تنفيها. وهذا يعرفه الجميع هنا ولا يقوله أحد سوى «وشوشة، وبالسر» خشية اتهامهم بـ «معاداة السامية» التي أصبحت، للمفارقة، تعني معاداة إسرائيل.
وما يعرفه الجميع أيضا، ويقوله القلائل، هو أن مطلب السلام العادل والشامل وحسب قرارات الأمم المتحدة ـ «صوت» المجموعة الدولية ـ ليس مطلبا إسرائيليا بل هو مطلب فلسطيني وعربي.
التواصل مع العالم نعمة. والانغلاق نقمة. هكذا يقول العقل والمنطق والحياة. التواصل وليس الانحياز والتبعية. من المفهوم أن يكون للدول مصالحها فالمصلحة مفهوم عقلاني وليست شتيمة. ومن الطبيعي، بل والمطلوب، أن يبحث الكل عن خدمة مصالحهم. ولكن من غير المفهوم العمى حيال الحقيقة، والأسوأ من هذا التعامي عنها.
إن ما تشهده غزةّ الآن يبدو وكأنه يجري في كوكب آخر وهو الذي بدأ عندما كان رئيسا دولتين كبيرتين مثل الولايات المتحدة وفرنسا لا يزالان في المنطقة.
الرئيس الأميركي الذي أراد أن يكون «حمامة سلام» لم يفتح في الواقع أية آفاق لتقدم حقيقي على هذا الطريق. وليس هناك ما يبرر «تفاؤله» بالوصول إلى سلام فلسطيني ـ إسرائيلي قبل نهاية عام 2008. لعلّه كان يبحث عن تلميع صورته وتغطية عجزه في التصدي للمشاكل الاقتصادية الكبيرة التي تواجه إدارته والتي أصبحت ظاهرة للعيان خلال الأيام الأخيرة. لقد أراد التحرّك «دون الفعل» على جبهة الشرق الأوسط.
لم يستطع الرئيس الأميركي، وربما لم يرد، أن يمنع حكومة اولمرت من الاستمرار في بناء المستعمرات في الأراضي الفلسطينية. هكذا تقول النتائج على الأرض. ما كان حاسما وحازما فيه في جولته الشرق أوسطية هو تأكيده على أن إيران تشكل تهديدا للأمن الإقليمي والدولي.
السؤال الذي طرحه الجميع يتعلّق بإمكانية دخوله في مغامرة عسكرية ضد إيران ؟. الإجابات على هذا السؤال متباينة. لكنه سؤال له من الأهمية ما يجعل من الملح، بل من الواجب، محاولة فهم رهاناته الكبيرة والخطيرة.
الولايات المتحدة عرفت فشلا جليا في العراق، هذا ما يقوله ويؤكده بعض المسؤولين الأميركيين أنفسهم. والولايات المتحدة منبوذة من قبل أغلبية الشعب العراقي لأسباب مختلفة. ولكن أيضاً بالتوازي من قبل شعوب العالم العربي كلها بسبب العراق وبسبب مواقفها من الصراع العربي ـ الإسرائيلي.
أصبح الرفض الشعبي العربي «غريزيا» حيال النظام المهيمن الذي تريد القوة العظمى الأميركية أن تفرضه على العالم، في مثل هذا السياق يمكن لأية مغامرة عسكرية أميركية أن تدفع بجميع المواقف نحو «التطرف» على الصعيد الإقليمي.
وهذا يهدد مصالح الجميع بمن فيهم واشنطن وباريس وغيرهما، هناك أسباب كثيرة تدفع باتجاه الاعتقاد أن واشنطن لن تقوم بأي عمل عسكري، خاصة بعد صدور التقرير الأخير للاستخبارات الأميركية الذي أكّد واضعوه أنه ليس هناك مبرر حقيقي لاستخدام القوة العسكرية ضد إيران، لكن بالمقابل هناك أيضاً مؤشرات «مقلقة» خلال الفترة الأخيرة.
وليس أقلّها شأنا تصريحات بعض القادة الأميركيين بما فيها تصريحات الرئيس الأميركي نفسه خلال جولته الأخيرة في المنطقة. وواقع نشر حاملات طائرات جديدة في مياه الخليج ؛ ونشر كتيبة دفاع جوي مزوّدة بصواريخ مضادة للصواريخ من طراز «باتريوت» الشهيرة.
في المحصّلة يمكن للرئيس بوش أن يقع تحت «إغراء» إنهاء فترته الرئاسية بـ «انتصار» يمكنه من وجهة نظره أن يغطي على الفشل في العراق. مثل هذا التوجه قد يكون شديد الخطورة وقد يشعل المنطقة كلها.
ضمن مثل هذا السياق يكتسي الموقف الفرنسي أهمية كبيرة، بل قد تكون حاسمة، بالنسبة للمنحى الذي قد تأخذه الأمور لاحقا. وهي مؤهلة إلى حد كبير كي تأخذ مكانها المتقدّم في معارضة أي لجوء للقوة والعمل على حل المشاكل بالطرق الدبلوماسية.
كما يمكنها أن تلعب دورا فاعلا في الوصول إلى سلام في الشرق الوسط، ولدى فرنسا من تاريخها الحديث أكثر من درس وعبرة. فالجنرال ديغول هو الذي كان قد وضع حدا للتحالف الفرنسي ـ الإسرائيلي عام 1967 وأدان إسرائيل لأنها بادرت بشن الحرب يوم 5 يونيو من تلك السنة.
وكان هناك العديد من المبادرات التي قام بها الرؤساء الفرنسيون بعد الجنرال ولاقت الاستحسان والترحيب في العالم العربي وليس أقلّها شأنا دعوة الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتيران الرئيس الفلسطيني للقيام بزيارة رسمية إلى باريس عام 1989ـ كان يومها رئيسا لمنظمة التحرير الفلسطينية ـ وأيضا موقف الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك عندما هدد باستخدام حق النقض ـ الفيتو ـ ضد قرار للأمم المتحدة يبيح اللجوء إلى استخدام القوة ضد العراق عام 2003.
مثل هذه المواقف كلّها تتباين جذريا عن السياسات الأميركية المتحيّزة «دون قيد أو شرط» للإسرائيليين. هذا تاريخ معروف و«منشور» وهناك عشرة مليارات من المساعدات الأميركية لإسرائيل جرى الإعلان عنها بالنسبة للعقد القادم.
أمّا فرنسا فقد خالفت أكثر من مرّة توجهات واشنطن إلى درجة اتهام البعض لها أنها «موالية للعرب». في الوقت الذي أرادت فيه محاولة التعبير عن نظرة مختلفة عن حلفائها، بمن فيهم إسرائيل. وينبغي أن لا يشك أحد بقوة العلاقات الفرنسية ـ الإسرائيلية وبصداقة الرئيس نيكولا ساركوزي المعروفة و«المنشورة» هي الأخرى لإسرائيل.
ما تؤكده مؤشرات كثيرة اليوم انطلاقا من وقائع على الأرض هو أن أمورا خطيرة تلوح في الأفق فيما يخص التطورات الإقليمية في الشرق الوسط ولا شك أنه سيكون للخيارات السياسية والاستراتيجية للقوى الكبرى وزنها في توجيهها، ولا يكفي لبلد مثل فرنسا يريد أن يعزز موقفه في المنطقة ويلعب دور قوة كبرى أن يبدي اليوم مجرّد «الأسف» لما يجري في قطاع غزّة.
لكن هنا لا يمكن للمرء إلا أن يتوقف كمن «وخزته إبرة». فلماذا العتب والصورة قي العالم العربي ـ الإسلامي هي ما نراه أمامنا حيث هناك مسؤولون لا يكلّفون أنفسهم حتى عناء «الأسف».
بكل الحالات يبقى الفرق كبيرا بين اللاعب و«الكومبارس» ؛ وكبيرا أكثر عندما يكون اللعب «على صفيح ساخن» مثل الوضع في الشرق الأوسط اليوم.
كاتب سوري
