خلال الأسابيع الماضية، دار حوار بيني وبين شخصين في مكانين مختلفين وحول قضية واحدة، قال لي أحد الأصدقاء وهو يناقشني حول ما أكتبه أحياناً في «البيان»: ألاحظ أمراً غريباً في أغلب وسائل الإعلام الخليجية بما فيها الإماراتية.

وهو التركيز على مشاكل الدول العربية وإبراز سلبياتها التي لا تنتهي، أتعتقد أنه ليس لدينا مشاكل سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية تستحق المناقشة أو الكتابة عنها؟ أم أن دول مجلس التعاون هي الجزء الوحيد في الوطن العربي الممتد من المحيط إلى الخليج التي تعيش في رفاهية واطمئنان وتمتلك الحصانة ضد أية مشاكل؟

إن الصحف ووسائل الإعلام في الدول المتحضرة وجدت لكي يبدي أصحاب الفكر والرأي والمتخصصون آراءهم وليطرحوا وجهات نظرهم ويقترحوا حلولا مناسبة للمشاكل الداخلية في بلدانهم.

أما عندنا فالأغلبية مختصة في انتقاد الغير وتتسابق في نقل الأخبار العاجلة عن الغير، فلنأخذ قناة الجزيرة مثلاً مع أنها في رأيي من أكثر القنوات الفضائية حرية وإبداعاً إلا أنها منذ إنشائها وحتى الآن وفي المستقبل لم ولن تقدم سوى قضايا وآراء حول المشاكل والمعاناة في الدول العربية، أليست هناك قضايا ومشاكل خليجية تستحق المناقشة أو الطرح للمعالجة؟

ومع الأسف قلدتها جميع القنوات الفضائية الخليجية الحكومية والخاصة، فكل واحدة منها تدعي أنها تقدم برامج نوعية يتنافس فيها أشهر المقدمين في الوطن العربي لمناقشة قضايا عربية مع نخبة من الخبراء وغالباً ما تنتهي دون جدوى أو فائدة، ولم أذكر أنه يوماً تمت مناقشة قضايا خليجية بحيادية وشفافية وأعطيك مثالاً آخر الصحف الصادرة في دولة الإمارات.

والتي أطلع عليها كأي مواطن يومياً، تتضمن حوالي 140 مقالاً أسبوعيا، لكن ألاحظ أن ما يطرح من القضايا المحلية لا يتعدى 1% وجزءا منها مدح أو ثناء فلا مشاكل ولا متاعب تواجه المواطن ولا أخطاء ترتكب، أليس هناك على الأقل ما يسمى بمستقبل المواطن الخليجي والأجيال القادمة يستحق التطرق إليه؟

مع أنني واقعي وأعرف أنه ليست هناك وسيلة إعلامية واحدة في العالم العربي قادرة على طرح سلبيات ومشاكل مجتمعاتها أو حكوماتها بحرية وشفافية، وإن وجدت فتعتبر شاذة وتواجه ما لا يحمد عقباه.

تساؤلات كثيرة طرحها وتركني دون أن ينتظر مني الجواب، وكأنه يعلم أن لا جواب لي عليها.

في موضوع آخر كنت حاضراً خلال مناقشة دارت بين صديقين أحدهما خليجي والآخر مصري، وكان الصديق الخليجي يتحدث عن مصر والمشاكل التي تواجهها في مجالات عديدة، والتي تخص المواطن المصري وتحد من عطائه فكان رد الصديق المصري نعم، مصر تواجه أزمات كبيرة ومتعددة في مجال النمو السكاني، ومشاكل البطالة، وغلاء المعيشة، والتلوث البيئي، والازدحام المروري والفقر، والفساد المالي والإداري، وأزمات سياسية مستمرة، وفوق كل هذا الأزمة الدائمة والأبدية مع العدو المتربص بمصر والعرب، إسرائيل التي قد تشن الحرب علينا في أي وقت وبذلك قد تواجه مصر ما هو أسوأ من كل مشاكلها الحالية .

والتي بكل تأكيد ليست سهلة، مع ذلك فحلها ليس مستحيلاً، لكنها في رأيي لا تساوي شيئاً أمام ما سوف تواجهه دول الخليج، فمما لاشك فيه أنكم تعيشون حالة اجتماعية واقتصادية ممتازة، والطفرة التنموية سببها استغلال الثروات، خاصة البترول الذي تعتمد عليه هذه الدول وجعلها تتمتع بإمكانيات الدول المتقدمة خاصة في مجال البنية التحتية والنظام الصحي والتعليمي.

والجيل الحالي في هذه الدول يعيش في نعيم يحسده عليه الكثيرون حتى مواطنو الدول الغربية، لكن إلى متى سوف يستمر هذا الرخاء والاطمئنان للحياة الكريمة مع ازدياد عدد الأجانب الذي سوف يفوق عدد أصحاب الأرض المواطنين الذين سيصبحون أقلية في أوطانهم، إنكم بذلك سوف تواجهون أزمة الأزمات .

وهي أزمة الهوية واللغة معاً، بعكس مصر التي مهما واجهتها من مشاكل تظل هويتها ولغتها العربية لا خوف عليهما، أما أنتم بهذا الشكل سوف تواجهون المجهول، وهذا الأمر قد لا يطول ويمكن أن يحدث خلال سنوات قادمة ومع هذا الجيل الذي يعيش في ترف ورغد، فهل تدركون ذلك أم أنستكم الحياة المريحة مستقبلكم ومستقبل الأجيال القادمة؟

كاتب إماراتي

sultan654@hotmail.com