ما كانت التخوفات والتحذيرات تتردد بخصوصه، وقع في لبنان، أصابع الفتنة تسلّلت إلى ليل بيروت، ومناطق أخرى، بسرعة اشتعل الوضع، فسقط قتلى وجرحى وانقطعت طرقات؛ في العاصمة وخارجها، أعمال العنف والاضطرابات، بدأت بزيّ مظاهرة مطلبية، لكن سرعان ما أخذت مجرياتها تفصح عن حقيقتها الفعلية.

طرف ثالث أو «طابور خامس» ـ حسب كافة المصادر اللبنانية ـ، بدأ عمليات القنص على الجيش، ومن مواقع خلفية، وكان من الملفت أن معظم المواجهات حصلت عند تخوم حساسة، في الضواحي القريبة من العاصمة، ارتبطت مواقعها بانفجار الحرب الأهلية منتصف السبعينات ومجرياتها، و«خطوط التماس»، كما كانت تعرف آنذاك، شهدت أعنف التفجيرات مساء الأحد، استهداف الجيش واضطراره إلى الرد وما أدّى إليه من سقوط 8 ضحايا؛ تحولت معه ما قيل إنها حركة احتجاج، إلى ساحة حرب.

الأخطر أن التوقعات الأمنية تتحدث عن جولات غير مستبعدة؛ من الصنف ذاته، هذا الاستهداف أتى في اللحظة نفسها التي كان فيها ملف الأزمة اللبنانية مفتوحاً، على طاولة اجتماع وزراء الخارجية العرب؛ في الجامعة العربية بالقاهرة، الأمر الذي أضفى على ما جرى في بيروت ومحافظات أخرى، البعد السياسي الواضح.

صحيح أن البلد مكشوف أمنياً. لكنه كذلك مكشوف سياسياً، وأزمة الرئاسة تعقدّت وتعمقت؛ بعد انهيار كافة الوساطات والمبادرات، آخرها كان المبادرة العربية، التي سبق وحظيت بالإجماع العربي؛ في اجتماع الوزراء، قبل الأخير، واستعصى على أمين عام الجامعة، عمر موسى، تسويقها.

عاد الوزراء وأكدوا على التمسك بالمبادرة. وعليه تم تكليف السيد عمرو موسى بالعمل على ترجمته، مع اللبنانيين. لكن هذا التمسك جرى في ظل تباين عربي حول تفسير المبادرة، يعني ذلك أن الكرة ، من جديد في ملعب اللبنانيين، المفروض أن ما شهدته العاصمة، بكل ما ينذر به من فواجع ومخاطر، على لبنان وشعبه؛ يكفي ليكون بمثابة ناقوس الخطر، لاسيما وأن عمليات التفخيخ والاغتيال عادت في الآونة الأخيرة، إلى الساحة.

وهذه المرة استهدفت المؤسسة الأمنية وشطبت اثنين من كبار ضباطها، كما يبدو ان مواجهات ليل أمس الأول، وبالذات أعمال القنص، كانت مصوبة أساساً على الجيش؛ إما لتوريطه وإما لتعطيل دوره؛ وهو المؤسسة المتماسكة الباقية كضامن أساسي للأمن. كيفما كانت ظروف الانفجار الأخير، فهو يندرج في خانة الإنذار وربما الأخير،.

كما انه يؤشر وبما لا يدع مجالا للشك، بأن الساحة اللبنانية باتت مشبعة بالاحتقان، والحديث عن «طابور خامس» يعني وبلا التباس أنها شديدة العطب والالتهاب، وبصرف النظر عن طبيعة الشرارة التي أشعلت الحريق.

فان ما بات ثابتاً وبالتجربة؛ هو ان الفراغ السياسي الذي يعيشه لبنان منذ نيف وشهرين، فضلا عن أجواء التأزيم والقطيعة بين فرقائه؛ هو المولد والدينامو للتوتر الذي بلغ منسوبه حدود عدم القدرة على الاحتمال، أو ـ وهذا الأسوأ ـ هو المولد للانكشاف، الذي سمح للمشتغلين على تفخيخ وتفجير الوضع اللبناني؛ بأن يخترقوا هذه الساحة ويمعنوا في استباحتها وتجييرها لأعمال التخريب ولتتحول إلى كومات من الحطب لنار الفتنة.

تجربة اللبنانيين باللعب بالنار طويلة وكانت مكلفة. وما شهدته عاصمتهم ليل الأحد تذكير فج لما كانوا فيه وما قد يكونون عليه. وعلهم يتعظون.