ليس من باب الرثاء تخط الكلمات في حضرة غياب إنسان بقامتك أيها الوالد الحكيم لكنها كلمات تكابر النفس عنيدة تواقة لبوح مثقل بهاجس خسارة المعاني ان هي قيلت.
لا رثاء في حضرة غياب ظلل المكان والزمان في مشهد سرمدي لا تعرف فصوله طريقاً إلى النهايات، فكل محطة بداية وكل بداية مشوار على دروب رفعة الإنسان ونصرة قضاياه العادلة.
كيف لا وأنت الإنسان أولاً وقبل أن تعتصرك المنافي وأقبية السجون وتحاول سلب إرادة الحياة فيك، قبل أن تمتد يد الغدر إلى مصيرك محاولة إبعادك عن مسقط رأسك في اللد، قبل أن تجبر على خلع رداء الطبيب الأبيض وترتدي بزة الفدائي الخضراء أو المموهة أيام كتائب العودة وشباب الثأر، ما الضير لو لم يعاند التاريخ طالعك وسمح لك بالعودة إلى بلدك سالماً غانماً حاملاً معك شهادة الطب لتداوي المرضى من أطفال فلسطين عوضاً عن أن تعالج جراحاتهم العميقة.
كل من حظي بفرصة التعرف عليك من قريب أو بعيد يعلم علم اليقين أن الثورات لا تندلع من فراغ أو بسهولة لأن أصحابها يروق لهم ذلك أو أنها تأتي وليدة مزاج هذا القائد أو ذاك، وأنت أحد قلة من الرجال الذين علمونا أن الحركات الاجتماعية إنما تعكس ضرورات اجتماعية لا بد من التعامل معها علنا ننام ونستفيق ونجد العالم قد أصبح مكاناً أرحب للحياة.
الكل يعلم أنك سرت جزءاً لا بأس به من مشوار كفاح الشعب الفلسطيني مجبراً وليس بمحض إرادتك وأن آخر انشغالاتك كان يمكن أن تكون تلك ذات الطابع السياسي وأنك كنت لتفضل أن تعيش حياة إنسان عادي على أن تعيش حياة زعيم سياسي كبير حتى لو كان يحظى بكل هذا القبول والاحترام والتقدير ومن الجميع بلا استثناء.
محط إجماع كنت رغم توفر العديد من القضايا الخلافية بينك وبين ما تبقى من مكونات الخارطة السياسية الفلسطينية والتي كانت أكثر من كافية لتجعل الشقاق سيد الموقف بينك وبينها، لكن سلامة الروح والضمير الحي والتفكير الحكيم كانت كفيلة بدورها لتنحية تلك الخلافات جانباً وجعل الناس يصغون إلى لغة العقل، لغتك، لا سيما في اللحظات العصيبة.
كنت القدوة والمبادر دائماً سواء كان الأمر يتعلق بالتأسيس للحركتين الوطنية الفلسطينية والقومية العربية أو حتى الحركة التقدمية على الصعيد الأممي أو حين يتعلق بضرورة الانسحاب من المناصب السياسية الرسمية التي لم يغريك بريقها يوماً خاصة عندما تصبح السياسة ومن يمارسها عبئاً على قضايا الشعوب وليس عوناً لها.
وفي واقع الأمر فإنه لم يتناهى إلى علمنا أي نبأ يفيد بتنحي أي زعيم سياسي عربي بمحض إرادته سواك سواء كان ذلك الزعيم يمارس صلاحياته في مربع السلطة القاتم أم في مواقع النضال العتيدة،.
لكن الجميع يعلم أن رغبتك في التنحي ظلت حبيسة الدوائر الرسمية لصنع القرار على الساحة الفلسطينية في حين بقيت الصلة والتواصل وتبادل الفعل والتأثير مع القضايا الوطنية والقومية حية نابضة حتى الرمق الأخير، لا بل إن خطوتك الجريئة وغير المسبوقة هذه شكلت بذاتها درساً كبيراً لا يخلو من الحكمة على غرار كل كلمة نطقت بها وكل خطوة خطوتها وحتى كل إيماءة أتيت عليها في حياتك.
كان صمتك صاخباً وكانت كلماتك تشق طريقها بقوة غير متناهية إلى قلوب الناس البسطاء وكبار المثقفين والسياسيين على حد سواء، لأنها كانت تجيء واضحة معبرة عما ألم بأبناء شعبك من مصاب عظيم تكالبت جميع قوى الشر في الدنيا لضمان جودته وفعاليته ودوامه طوال سني حياتك تقريباً وما بعد رحيلك.
الآن وأنت الذاهب الباقية كلماته وروحه مخلدة في وجدان شعب فلسطين والأمة العربية والكثير من شعوب العالم نسألك التريث ولو قليلاً حتى نبني مكاناً يليق بحفظ تلك الكلمات وصون تلك الروح علها تبقى منارة لنا وللقادم من الأجيال التي بات في حكم اليقين أنها ستجد نفسها مضرة لمواصلة حمل الراية التي حرصت على بقائها خفاقة طوال حياتك.
كما نود تقديم اعتذارنا لك ولكل الذين سبقوك ولم تتكحل عيونهم برؤية تراب فلسطين الطاهر محرراً، أبو علي مصطفى، غسان كنفاني، وديع حداد، أبو ليلى، جيفارا غزة.. لأننا لم نتمكن من تحقيق هذا الهدف المنشود بعد، لكننا وإذ نرجو إبلاغ السلام لهم ولغيرهم من شهداء فلسطين فإن كلمة العهد والوعد هي كل ما تبقى لنا.