كل المؤشرات السياسية الواردة من لبنان في الأيام الماضية تدعو إلى الخوف والإحباط على مستقبل هذا البلد. المسارات السياسية تبدو شبه مغلقة بين أطراف الخلاف السياسي الداخلي ، والتوتر مستمر ما بين المحرضين على هذه الخلافات من الأطراف الإقليمية التي تتدخل في المصير اللبناني.

وعلى الأرض تتزايد المؤشرات الأمنية المقلقة سواء التفجير الذي أودى بحياة أهم محققي الأمن الداخلي الهادفين إلى إيجاد الحقائق وراء عمليات الإغتيال المستمرة في لبنان وصولا إلى إشتباكات الشوارع التي تسفر عن إصابات وخسائر في الأرواح. حالة الأمل التي سادت الأوساط الشعبية اللبنانية والعربية الناجمة عن بدء محاولات تنفيذ الخطة العربية اصطدمت بواقع التشنج والتعنت الذي ميز مواقف بعض الأطراف اللبنانية الراغبة في إستمرار الخلاف وتعطيل الحياة السياسية ورهن الدولة اللبنانية لمصالح أطراف خارجية وإقليمية معروفة.

المفاوضات التي أجراها أمين عام الجامعة العربية في لبنان أظهرت واقعا مؤسفا مفاده أن بعض الأطراف السياسية في لبنان لا تريد حلا بقدر ما تريد فرض توجهاتها الخاصة مسنودة بدعم سياسي وأمني خارجي مما يعني أن فرص التوصل لأي حال أصبحت ضئيلة جدا خاصة أن الحل العربي الذي أعلنت كل الدول العربية ظاهريا الموافقة عليه لم تكتب له فرص النجاح.

دولة تتجه نحو مصير مجهول وشعب محبط ومتوتر واقتصاد يتراجع وحالة سوداوية عامة في المزاج اللبناني الذي كان نموذجا في التألق والحيوية ، والسبب هي مواقف سياسية ضيقة يصنعها قادة أحزاب وطوائف وضعوا مصالحهم الخاصة قبل مصلحة الدولة اللبنانية.

مثل هذه الشخصيات السياسية اصبحت جزءا من المشكلة وليست جزءا من الحل وبات من البديهي أن حل الموقف في لبنان أصبح خارج الحدود اللبنانية ولن يتم إلا ضمن تفاهمات سياسية إقليمية ودولية تحقق للقوى الإقليمية التي تستخدم لبنان في مناوراتها السياسية بعضا من مطالبها مما قد يعني أن تكف هذه القوى أيديها عن لبنان وتترك أهله يصلون إلى تفاهمات داخلية تحفظ بلدهم من التفكك السياسي والأمني.

الوقت ليس في صالح لبنان والإنفلات الأمني يهدد بالوصول إلى نتائج خطيرة جدا ، والتشنج الذي يميز مواقف بعض القوى السياسية تجاه مطالبها في "تقسيم حكومة الوحدة الوطنية" يبدو قادرا على إنهاء كل الجهود الطيبة وذات النوايا الحسنة التي تبذلها الجامعة العربية ما لم ترتق هذه المواقف السياسية إلى المستوى المطلوب من تقديم المصلحة اللبنانية على المصلحة الخارجية.

إجتماع وزراء الخارجية العرب الذي بدأ اعماله يوم أمس سوف يحاول مرة أخرى تقديم تفسير مناسب للخطة يمكن أن يحظى بقبول كل القوى السياسية في لبنان بدون أن يمس ذلك بمصداقية مبادئ الخطة ، ولا شك أن هذا الجهد يمثل فرصة شبه أخيرة لأن اي سقوط مؤسف لمبادرة الجامعة العربية سوف يجعل من الساحة اللبنانية خالية من أية مبادرة سياسية لتبقى الدولة والشعب اللبناني في إنتظار المجهول ، أو تفاهمات وصفقات سياسية خفية بين الأطراف الإقليمية والدولية ليس بالضرورة أن تكون في مصلحة لبنان.

الأخطاء العديدة التي تم إرتكابها في تاريخ العمل السياسي في لبنان والعالم العربي يمكن أن تكون مصدر حكمة يستقيها اصحاب القرار السياسي في لبنان لإنقاذ البلد من مصير مؤسف يمكن أن تقوده إليه المواقف المتشنجة الحالية ، والحل يبقى لبنانيا دائما والأمل يبقى كبيرا بحكمة القرار النهائي.