على الرغم من الثغرة التي فتحت في جدار الحصار المشدد على مواطني غزة، وأتاحت لهم التزود ببعض مقومات الحياة التي حجبت عنهم على مدى أكثر من ثمانية أشهر، فإن المشهد الفلسطيني والعربي بوجه عام ما زال على سوداويته أمام القرار الإسرائيلي ـ الأميركي الاستفزازي المعلن بإنهاء الحقوق الوطنية الفلسطينية وفق ما تريد حكومة أولمرت، وبشكل يحوّل العرب إلى مجرد شهود على وأد قضية ظلت لعقود مركزية عندهم.
الفلسطينيون المحاصرون عسكرياً وسياسياً ونفسياً في الضفة ومعيشياً كذلك في القطاع لا يجدون أي فسحة أمل أمامهم فكل السبل مسدودة إسرائيلياً وأميركياً ما عدا فتحة التنازل عن معظم حقوقهم الوطنية عبر القبول بخريطة الاحتلال، بما تضمه من مستوطنات، ورفض عودة اللاجئين، والقبول بالقدس عاصمة لإسرائيل.
والعرب الممزقون بفعل الضغط الأميركي باتوا يخشون حتى من كلمة تضامن، ما أدى إلى انعدام دورهم الجماعي، وإلى ترك الأمور بما فيها المصيرية، للآخرين ليديروها وفق ما يريدون.
وفي المقابل فإن الإسرائيليين المدعومين بكل شيء أميركياً يرون أن هذا الوضع فرصة لا يمكن أن تتكرر، وأن المجال متاح أمامهم لفرض الاشتراطات وتدعيم الاحتلال، وتجاهل أي حديث جاد عن السلام العادل الشامل، ولتجاوز الشرعية الدولية وقراراتها الناظمة لأسس هذا السلام.
ومن يتابع مواقف وتصريحات المسؤولين الإسرائيليين يخلص بسهولة إلى أنهم يتجاوزون في العدوانية والاستفزاز كل الحدود، ويتحدثون بوقاحة غير معهودة عن مرحلة ما بعد تثبيت احتلال الأرض العربية، وما بعد إنهاء القضية الفلسطينية.
وحتى تجاه هذه النقطة الأخيرة لا يرى المسؤولون الإسرائيليون مانعاً أمامهم من عرض الشروط أيضاً، والقول: نقبل بهذا ولا نقبل بذاك.
كل ذلك يحدث للأسف الشديد بإرادة أميركية، إن لم تكن إسرائيلية، وهناك ما يشير إلى المزيد في أكثر من بقعة عربية، فمشروعات الهيمنة والنهب والتقسيم لم تكتمل بعد، والشرق الأوسط الجديد أو الأوسع لم يولد بعد، ومخاضه عسير جداً على عكس ما اشتهت الوزيرة رايس.
ومع ذلك، وعلى الرغم من كل هذه السوداوية، هناك مقاومة وممانعة عربية بدأت تفرض وقائعها على الأرض، وتحّول مجرى الأحداث.
ويقيناً إن أول خطوة حقيقية على طريق التضامن العربي الفعّال يمكن أن تقلب الأمور رأساً على عقب، وهي آتية وبأسرع مما تتوقع أميركا وإسرائيل.
