وطن الغرائب والأحداث التي تتفوق على الخيال، حين نرى الأمة العربية وحدها عاجزة عن أن تلغي المسافة النفسية والسياسية بين بلد وآخر، حتى إن الانقسامات وصلت إلى حد أن رأينا من يطالب بدول في لبنان والعراق، ودولتين في غزة والضفة، والغريب أن قيادات هذه البلدان يملكون التأهيل، والتجربة، لكن معظمهم يفتقد حس المسؤولية، فصار من يملك قرار التأثير على مسار هذه البلدان في الخارج، وندعي أن سيادتنا كاملة، وشبه ناقصة عندما نتعرض لضغوط أمريكية، أو تحتل بلداً مثل العراق..

موضوع السيادة ليس عملاً اختيارياً على ضوء ما قدمته معظم الدول العربية من شهداء ومناضلين صاروا جزءاً من مناسبات احتفالاتنا الوطنية وذكرياتنا القومية، لكن ما يحدث الآن هوتنازع على بقاء الأشخاص وليس تنمية المواطن ورفعه من حالة البؤس والقهر والتخلف إلى استغلال الموارد والإمكانات المادية والبشرية في عطاء يتساوى مع دور القيادة والمواطن..

لقد خرجنا من آمال الوحدة، أو حتى الاتحادات الإقليمية، وصرنا نحاول أن نوجد الوسائل لتماسك وطني، رغم أن الزمن بين الوعي القومي العفوي والوعي الراهن وفر المعلومات ووسائل المعرفة والثقافة، كما صرنا نرى أن قوائم القتلى والتخريب المتعمد هما فطور وعشاء هذه الأمة، وعندما نتذكر كيف توحدت المملكة بعبقرية رجل زحفت معه كل الجماهير بمختلف طبقاتها وتنوعها القبلي والمناطقي، لا نجد المثيل المقارن عند من يحملون التأهيل العالي من الذين تطغى عليهم أنانية المراكز، ولعل التجربة الإيجابية لاتحاد الإمارات والتي لم تكن في حالة تؤهلها للعيش بصورة تختلف عن محيط البادية وصيادي السمك أن قفزت إلى الواجهة وهي حصيلة إنجاز قادتها والذين كان لا يتعدى تعليمهم القراءة والكتابة، ولكن التصميم على خلق كيان موحد جاء ثمرته التنمية التي صعدت إلى مستويات غير مسبوقة عربياً..

قبل كل ما جرى على ضفاف الخليج والجزيرة العربية، حين كان هناك دعاة وحدة حوض النيل، والهلال الخصيب، وإلحاق المغرب الأكبر بكيان موحد يضم شتات تلك الدول، وجدنا أن ثقافة زمن الاستعمار أكثر إيجابية ووعياً بضرورات الوحدات الكيانية، من زمن السيادة والتحرر من الاستعمار وآلياته، والذي أبقى صورته قائمة ليس بفضيلة التفوق العلمي، ولكن بخلق المصاعب لإيجاد منهج تتفوق عليه الدولة الإقليمية ثم الكيان الأكبر، وهي صناعة عربية خاصة لا تتعلق بأوزار دول الاحتلال، عندما نرى من ماثلونا في الظروف حد التشابه، أن أقامت الصين والهند واليابان وغيرها ما قلب موازين العالم الاقتصادية والسياسية، بينما نحن من ولّد الأزمات ووضعها في سياقها المعاكس حين نرى أنه لا يجتمع الفلسطينيون واللبنانيون والعراقيون، إلا باشتراطات تفرضها قيادات الفصائل والمليشيات، وكأن الوطن رهينة بأيدي أشخاص يحددون مصيره، دون الاعتبارات القانونية والسيادة الوطنية التي تحدد وحدته.