لطالما شكلت المسيرات المليونية العابرة للحدود مطلبا جماهيريا وطنيا ملحا في مختلف المحطات الاستراتيجية للصراع العربي ـ الصهيوني ولطالما تمكنت الأنظمة العربية من إحباط كافة المحاولات الشعبية في هذا الاتجاه، الذي يعبر، في المقام الأول، عن نفض يد الجماهير العربية من أنظمتها السياسية وامتشاقها لسيف إرادتها الخاصة علها تفلح بذلك في الخروج من النفق المظلم الذي آلت إليه جميع القضايا العربية الكبرى عموما والقضية الفلسطينية على وجه الخصوص.
لكن أحدا لم يكن يتصور أن تتمكن إحدى تلك المحاولات من رؤية النور بالاتجاه المعاكس، أي من أرض فلسطينية محتلة باتجاه أراض عربية مجاورة على غرار ما حدث في غزة مؤخرا عندما دكت الحشود الغاضبة من الناس البسطاء، الذين يفتقرون إلى ابسط وسائل العيش، جدار العزل الذي يشطر مدينة رفح العربية إلى شطرين كان يستحيل التواصل بينهما،
حتى اللحظة، بمعزل عن إرادة الاحتلال الصهيوني وداست على أنقاضه وعبرت باتجاه مدينة العريش ومدن مصرية أخرى واصلة بذلك ما انقطع من أواصر القربى منذ العدوان الصهيوني على غزة عام 1967.
إن دل ذلك على شيء فإنه يدل من جديد على تردي الواقع السياسي الذي يعيشه النظام الرسمي العربي من جهة، وعلى وجود فجوة هائلة بين واقع وتوجهات هذا النظام وبين واقع وتطلعات الشعوب العربية.
بغض النظر عن مدى صوابية ما ذهبنا إليه في محاولة تشخيص الواقع السياسي في عالمنا العربي ولكي لا يظل هذا الطرح أسير ما يمكن تسميته محاولات تنظيرية بيزنطية جوفاء لا طائل منها، يبدو في حكم اليقين أن هناك ضرورة ملحة لإجراء مراجعة استراتيجية لكافة مناحي الحياة السياسية التي تحفل بها المنطقة منذ نشوء الدولة العبرية على أرض فلسطين
والتي لا يمكن الاقتراب منها بعيدا عن الشوكة الصهيونية المغروسة عميقا في خاصرة المنطقة كما بات أمرا ضروريا الوقوف بجدية وحزم مرة أخرى أمام مناهج التفكير وأدوات العمل المعتمدة في تشخيص وعلاج سلسلة المآزق التي وجدت الشعوب العربية نفسها غارقة فيها جراء وجود ذلك الكيان الصهيوني السرطاني بين ظهرانيه.
ربما يتمثل الدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه من مجموعة الأحداث الأخيرة على الساحة الفلسطينية وامتداداتها على الساحة العربية والتي تضافرت وشكلت مشهدا غير مألوف في أن الكلمة الفصل في كل هذا المشهد هي للمواطن البسيط، تلك الكلمة التي تمكنت من شق طريقها وفرض نفسها بنفسها على صانع القرار السياسي الرسمي وجعلته يرضخ ويتراجع عن منهج اختطه لنفسه ومنحه مكانة مقدسة يحظر المساس بها.
فإذا أخذنا ما يطلق عليه النظام السياسي الفلسطيني كمثال يمكن البناء عليه فيما ذهبنا إليه آنفا، نجد أنه على الرغم من وجود فجوة هائلة بين الخطاب السياسي المعتمد من قبل رموز السلطة الفلسطينية المعينة إسرائيليا من جهة وبين الخطاب السياسي الذي تنتهجه حركة حماس التي وصل ممثلوها بطريقة ديمقراطية إلى سدة المجلس التشريعي والحكومة الفلسطينيين ـ
على الرغم من ذلك كله، إلا أن هذا المشهد السياسي يشي بأحد أهم مصادر القوة بالنسبة للقضية الفلسطينية والذي يتمثل في حراك سياسي طبيعي إن أحسن استغلاله فإن القضية الوطنية للشعب الفلسطيني ستكون بألف خير، الأمر الذي يمكن سحبه على الكثير إن لم نقل على كافة القضايا الكبرى للشعوب العربية.
صحيح أن خطاب السلطة الفلسطينية يعتمد مقولة السلام كخيار استراتيجي لا عودة عنه كما يقول رموزها، وصحيح أن خطاب حركة حماس يقوم على جدلية التحرير قبل الدولة والتمسك بالثوابت الفلسطينية وتوفير متطلبات الصمود والتوحد فلسطينيا ثم عربيا على أساس هذه الاستراتيجية،
إلا أن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة في هذا الميدان هو: ما الضير في وجود كلا الخطابين وتفاعلهما في وقت واحد من دون أن يلغي أحدهما الآخر؟ لا بل السؤال الأكثر إلحاحا هو: لماذا لا يعاد بناء منظمة التحرير الفلسطينية على هذا الأساس؟
لا بل لماذا لا يصار إلى تشكيل هيئة عليا فلسطينية ثالثة مهمتها تنسيق الأدوار على أعلى المستويات عندما تتعلق الأمور بالمصالح العليا للشعب الفلسطيني المتمثلة بحق العودة وإقامة الدولة المستقلة بعاصمتها القدس وحق تقرير المصير؟
عندما دكت شعوب أوروبا جدار برلين في نهاية العقد الماضي من الزمن، فإنها فتحت بذلك آفاقا نحو مستقبل مشرق ما كان لها أن تحلم بها لو بقيت مناهج تفكيرها وأدوات عملها حبيسة توجهات الأنظمة السياسية الرسمية التي كانت سائدة في القارة العجوز آنذاك،
ولو أن رجال غسان كنفاني في «رجال تحت الشمس» كانوا قد دقوا جدار الخزان الملتهب من الداخل لما كان مصير أجسادهم الشواء على حرارة ذلك الحديد المستعر تحت شمس الصحراء الحارقة.