مفاوضات مع نصف الفلسطينيين وحرب مع النصف الآخر؟ إذا كان هذا هدفا مفهوما للإسرائيليين، فكيف يمكن للإدارة الأميركية وجورج بوش أن يقنع الفلسطينيين والعرب بان هذا الوهم ممكن بعد قليل من اختياره دور العراب للدولة الفلسطينية وسلام الشرق الأوسط؟ أي سلام هذا الذي يسعى إليه الإسرائيليون والأميركيون مع نصف الفلسطينيين دون النصف الآخر؟
ليس هذا مطلبا فلسطينيا أو عربياً بل هو ما يمليه المنطق، إذ كيف يعقل أن يفكر الأميركيون والإسرائيليون أن بالإمكان التفاوض مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس (ابومازن) وشن حرب شاملة على فلسطينيي غزة وحماس الممسكة بالقطاع؟.
انه المنطق الذي يدفع بعض الإسرائيليين للتوقف أيضاً وطرح التساؤل نفسه. فالكاتب الإسرائيلي تسافي برئل يتساءل «هل يمكن التفكير بوضع يقوم فيه محمود عباس بالتوقيع على اتفاق، أو حتى اتفاق رف، بينما تدور الحرب ضد نصف مملكته؟
وبينما يُفرض حصار لا رحمة فيه على مليون ونصف المليون فلسطيني؟ لا يقتصر الأمر على أن عباس لا يستطيع إجراء مثل هذه المفاوضات فقط، بل إن الدول العربية تدرك أنه طالما لا يوجد سلام بين عباس ومشعل، فلا يمكن لأي مبادرة عربية أن تجدي نفعاً». (راجع: «مشعل يتحكم بألسنة اللهب»، صحيفة هآرتس الإسرائيلية، 20 يناير).
إن السؤال منطقي، لكن الغايات المرجوة لكاتب إسرائيلي مثل برئل هي نفسها التي يمليه المنطق بالنسبة للكثير من الإسرائيليين: «تحجيم حماس» وإضعافها. وهو واضح في هذا للغاية عندما يقول: «من أجل تحييد وإلغاء تأثير حق النقض الذي تتمتع به (حماس) تجاه العملية السياسية، لن يكون مناص من المصالحة بين حماس وبين (فتح)، بين عباس ومشعل (...)
لأنه حتى لو نشأت فرصة جديدة للتوصل إلى اتفاق بين إسرائيل وحماس بشأن وقف إطلاق النار ـ وهي فرصة تبدو الآن بعيدة ـ إلا أنها لن تتضمن ما يلغي فاعلية الانفجار الذي سيحدثه الاصطدام القادم. فالمفاوضات الخاصة مع حماس سوف تسحب من يد عباس أيضا القدرة على الفوز برصيد إيجاد الهدوء».
على هذا فان المنطق وحده لا يكفي طالما تعلق الأمر في النهاية بالغايات النهائية للسياسة لأن الأمر في النهاية سيعتمد على الوجهة التي يريد الخصوم الوصول لها من اي تفاوض او تسوية.
لكن الغاية ستبقى واحدة حتى بالنسبة للإسرائيليين لان المنطق يفرض ذلك. فبرئل يخلص في النهاية إلى ما يطالب به كل العرب: «لا يتعين على إسرائيل إجراء مفاوضات منفردة مع عباس، لكن يتعين عليها أن تشجع تشكيل قيادة فلسطينية موحدة. فمن دون هكذا قيادة، ستفقد إسرائيل شراكتها مع عباس، كما أنها ستمنح حماس الاحتكار السياسي».
لكن ماذا تريد حماس أو السلطة الفلسطينية من التهدئة أو الهدنة مع إسرائيل؟ والاهم ماذا يريد الطرفان من قيادة فلسطينية موحدة؟ أياً كانت المسميات التي يرددها قادة حماس إن في الكواليس أو تلك التي يرددها أنصارها حول الغاية النهائية للمفاوضات مع السلطة الفلسطينية و(فتح) أو الرئيس ابومازن، فان الخطأ المميت الذي ترتكبه الحركة هو أن تصيغ كامل حركتها باعتبارها بديلا عن ابومازن أو عن السلطة.
وبالمقابل فان الخطأ المميت الذي سترتبكه فتح أو السلطة أو الرئيس هو أن تعمل على إضعاف حماس أو شطبها من المعادلة. حماس على المدى البعيد بكل الشطط السياسي الذي يمكن أن تذهب إليه هي رصيد مهم للسلطة الفلسطينية ولأي رئيس فلسطيني. وعلى قادة حماس أن يدركوا الأمر نفسه بالمقابل مع فتح والسلطة وابومازن أي باعتبارهم رصيدا لحركة حماس حتى ان اختلفت الأولويات السياسية.
بالنهاية، سنصل لا مناص إلى الوحدة الفلسطينية التي يشدد عليها الجميع الآن. لكن الهدف من هذه الوحدة يجب أن يكون واضحا لدى أطرافها. أن على (فتح) و(حماس) أن يتعلما من تجربتهما الماضية، وهي التي اثبتت من بين حقائق عدة أن أي طرف منهما لا يمكن أن يكون بديلاً عن الآخر.
إن هذه الحقيقة واسعة في معانيها وتبعاتها على الأرض ليس اقله هو تحصين الوحدة الفلسطينية من الاختراقات أياً كانت حتى في إطار التحالفات الإقليمية. هذا يعني أيضاً أن تبني هذه الوحدة الفلسطينية على برنامج واضح يضع الأولويات الفلسطينية
ويجعل الخيارات مفتوحة لتحقيقها، إن بالتفاوض أو العمل العسكري دون أن يلغي احدهما الآخر. والاهم من هذا أن لا يجعل الأهداف الفلسطينية مرهونة بأي أولوية أو أوضاع إقليمية لأن هذا كفيل بإبقاء الأهداف الفلسطينية قائمة ومطروحة دون أي تأثير للأوضاع الإقليمية أياً كان مصدرها.
كاتب وصحافي بحريني
