بعد أن ثبت أخيراً فشل محاولات الحلول الغربية للأزمة اللبنانية بالانحياز والضغط على أطراف لبنانية وعربية، وفق أجنداتهم التي لا علاقة لها بمصلحة لبنانية أو عربية، بل بالمصالح الأميركية والإسرائيلية والفرنسية، وبعد أن ثبت أن الحل النهائي في لبنان لن يتحقق إلا اعتمادا على العمل العربي المشترك النابع من وفاق عربي حقيقي لتحقيق الوفاق اللبناني، وبدعم من «بيت العرب» وليس من داخل قصر الإليزيه الفرنسي أو من البيت الأبيض الأميركي.

وحتى لا ينزلق العمل العربي المشترك إلى «لبننة» العمل العربي ليغدو «غير مشترك» بمنطق الموالاة والمعارضة التي أصابت النظام اللبناني الرسمي بالعجز والشلل وأصابت لبنان كل لبنان بالانقسام، لنجد أنفسنا بدلا من تعريب حل اللبناني نقع في مشكلة لبننة العمل العربى،

وإذا أريد أن يكون هناك نظام عربي رسمي يتسم بالقوة والفعالية والمبادرة والتأثير والمشروعية سواء في الساحة الدولية أو الساحة الإقليمية أو لدى الجماهير العربية وهذا هو الأهم. فلا بأس من الاعتراف بأن النظام الرسمي العربي الذي عليه معالجة أزمة الانقسام اللبناني، وأزمة الانقسام الفلسطيني،

هو نفسه منقسم الآن بدرجة ما قريبا من الوضع اللبناني أو الفلسطيني بين محورين، محور ما يسمى ب«المعتدلين» الذين يدعمون التفاوض ولا يدعمون المقاومة، والذين تريد منهم أميركا «المشاركة» مع إسرائيل في «الحرب على الإرهاب» أي للمقاومة ضد المقاومة!، اعترفنا بذلك أم لم نعترف، ومحور ما يسمى «بالمتطرفين» المناهضين للمشروع الأميركي الصهيوني في المنطقة، والذين يرون بضرورة المقاومة لتقوية القدرة على التفاوض.

ويبدو أنه لا مفر من علاج النظام الرسمي العربي حتى يمكن علاج المشاكل الوطنية، لأن قرار هذا النظام يتخذ بالأغلبية بعد أن كان بالإجماع، فتستأثر فيه الأغلبية بالقرارات العربية ولو كانت على خطأ، وتضطر فيه الأقلية ـ ولو كانت على صواب ـ إلى القبول أو الاعتراض أو الانسحاب،

مما يهدد بانقسام العالم العربي إلى فريقين أو ثلاثة بين «معتدلين» و«متطرفين» و«مستقلين»، بما لا يحقق ديمقراطية العمل العربي بقدر ما يسمح «بديكتاتورية الأغلبية» والاستئثار بالقرار، وبما يمنع الأقلية من «المشاركة الديمقراطية» في صنع القرار مما يؤثر سلبا على فاعلية التنفيذ.

بينما القرار الشرعي الرسمي العربي هو الذي يستمد شرعيته أولا من مدى ارتباطه بقيم عروبته الدينية والحضارية، وثانيا من مبادئ ميثاق جامعة الدول العربية ومن معاهدة الدفاع العربي المشترك، وثالثا من استقلالية إرادته وليس استجابة لأجندة غير عربية أو من أجندة تحالفاته المصلحية غير المبدئية، سواء المحورية الضيقة أو الدولية الواسعة،

ورابعا من وحدته لا من انقسامه بين معتدلين ومتطرفين، وخامسا من شعبيته ومدى تعبيره عن ضمير وإرادة الغالبية الشعبية العربية في عموم الوطن العربي، وأخيرا من الأولويات المنطقية للقضايا العربية فلا يقدم ما هو فرعي على ما هو أساسي ولا ما هو مهم على ما هو أهم.

ثم لابد أن يضع خطوطا حمراء لا يسمح لأحد بتجاوزها في القضايا المصيرية، ولا أن يسمح للبعض بالانفراد بالمساس بما بناه الكل بإرادة مشتركة مثل مؤسسة القمة، وأن يبني كل العرب على ما تقدم من بناء عربي ليعلي طوابقه ويزيد مساحته، ويطور أداءه وآلياته ويدفع حركته، لا أن يهدم بعض العرب غالبية أو أقلية ما بنوه معا،

ليقذف البعض بأحجار الهدم بعض أشقائه المخالفين لسياسته وأجندته، مما يخفض علو طوابقه، ولا أن يحاول عزل بعض الأشقاء أو دفع البعض إلى الانسحاب من تحت مظلته، فيخصم من مساحته ويضعف قوته، أو يزيد التناقضات والتباينات في ساحته مما يصيبه بالتشرذم فيفقد تأثيره وفاعليته ولا أقول وظيفته ومبررات مشروعيته.

mamdoh77@hotmail.com