ثمة ما يحمل على الحذر، بل القلق، من الأوضاع القائمة؛ عند معبر رفح. نقطة الحدود بين غزة ومصر، شهدت في الأيام الأخيرة تطورات صاخبة، اختلط فيها الحابل بالنابل وتفاعلت على نحو أثار ارباكات وتوترات متبادلة. وقعت احتكاكات، تلبدت معها الأجواء؛ ولو أنها كانت من العيار الخفيف.
الجانب المصري أبدى توجساته؛ فسارع الجانب الفلسطيني ـ الغزاوي ليؤكد تطميناته. الأول حكم ردود فعله، الهاجس الأمني. وهذا مشروع. والثاني اندفع محكوماً بالهاجس المعيشي الضاغط وهذا مفهوم.
التخوف أن تتطور الأمور بصورة تطيح بالتوازن المطلوب والمتوجب، بين طرفي المعادلة؛ فيقع الوضع في الفخ المنصوب. تحت ضغط وتهديد الحصار الإسرائيلي الخانق، قام بعض أهالي غزة، بكسر الجدار الحدودي مع مصر، وصولاً إلى رفح. اندفعوا بالآلاف، للحصول على حاجياتهم؛ من وراء الحدود.
أبدت القاهرة تفهمها للظروف والدواعي؛ فامتنعت عن التصدي، تراجعت قوات الحرس والشرطة وتركت عملية المرور تأخذ مجراها. ثم تكرر المشهد بعد ثلاثة أيام، إثر قيام رجال الشرطة المصرية بسد الثغرات في الجدار. ترافق ذلك مع وقوع إصابات طفيفة، في أعقابها سارعت القاهرة إلى توجيه دعوات للأطراف الفلسطينية، للحضور من أجل بحث التطورات.
الجانب المصري أبدى انزعاجه مما سماه «استفزازات تثير القلق». كلام وزير الخارجية نطق بالاستياء. قيادات حماس، سارعت هي الأخرى، إلى التأكيد على ان الغضب الفلسطيني على الحدود لم يكن يستهدف مصر ولا قواتها الحدودية. محاولات التطويق وتنفيس التوتر، من جانب الطرفين؛ كانت في محلها، ليس من مصلحة أحد ان تكون المعالجة بغير هذا الأسلوب.
احتواء ما حصل وبسرعة، ضروري. لكن ذلك وحده لا يكفي. معالجة الفرع لا تغني عن التصدي للأصل. وهذا الأخير، لا يخفى، إنه يكمن في الحصار الإسرائيلي الجائر المضروب على غزة. المدخل لفك الحصار هذا، هو في فك العزلة السياسية عن القطاع. كل ما خلافه يقدم خدمة مجانية لإسرائيل. تكسير الحدود مع مصر، على تفهم حيثياته، لا يلبي سوى الآني من المشكلة.
رفح متنفس للقطاع. هي ملاذه في مواجهة الاختناق. لكنها ليست البديل. ثم ان الأمر ينطوي على خطر الانزلاق بالعلاقات إلى درجة من التوتر، المفتوح على المزيد من التأزيم؛ الذي لا شك فيه أن إسرائيل تطمح إلى رؤيته.
بل قد تحاول العمل على دفع الأمور باتجاهه. الإيقاع بين الفلسطينيين أو بينهم وبين أي طرف عربي كان ولا يزال هدفاً أساسياً، طالما سعت إسرائيل إلى تحقيقه. والآن هي لحظة الاستدراك.. فلا يجوز، مهما كانت الدوافع أن تقطف تل أبيب ثمار حصارها على غزة؛ على شكل مناكفات وشبه أزمة بين الفلسطينيين ومصر. فذلك ليس أقل من جائزة تقدم هدية لإسرائيل.
الحديث والدعوات حول لقاءات فلسطينية في مصر والعودة إلى الحوار بين «فتح» و«حماس»، مطروح ومتداول؛ في الآونة الأخيرة. الحصار وتداعياته، خاصة الحدودية، لابد وأن يضفي طابع العجلة على التحرك، في هذا الاتجاه. الظرف لا يسمح بأقل من مراجعة تؤدي إلى إحباط عملية الاستفراد الإسرائيلي بغزة وانتشالها من بين فكي كماشة الحصار الإسرائيلي المغلق عليها.
وإذا كانت التجربة قد كشفت بأن وصول الأمور إلى هذا الحد من الاختناق، كان واحداً من نتائج الشرخ الخطير الذي أصاب الجسد الفلسطيني الوطني؛ فإن العودة عن هذه الطريق، باتجاه التصحيح والرجوع إلى الخيمة الوطنية الواحدة، تصبح ضرورة ومسؤولية برسم كافة الفصائل الفلسطينية وقبل أن تتحول رفح إلى فخ جديد.
