دول المعرفة أحزابها، ومن ينتمون إليها، وأرومتها لا توزعهم فواصل عرقية أو ألوان تعطي لكل إنسان شكلاً ما أسود أو أصفر، أو ملوناً لأن الكفاءة وحدها من تجعل المسابقة بين أعضاء المجتمع المؤهل للوظيفة، والوجاهة هي الطريق إلى الثقافة، والجامعة ومركز البحث التي تصب في النهاية، في مواقع الإنتاج المعرفي والاقتصادي وأدوات القيم الناجحة..

فارق كبير بين من يبنون خططهم على معلومات دقيقة تدرك أهمية الجزء من الدقيقة في إضافة أرقام جديدة للسلع الخارجة من المصانع، وبين من يستهلكون أوقاتهم في جدليات الخلافات على أمور تافهة لتكون كفاءة تعطيل العمل جزءاً من الناتج القومي، وليصبح رصيد التخلف مجدولاً على أرقام الناقص، ومن هنا جاءت براعة الشعوب للذين يعطون الوقت موازين ومعدلات تذهب إلى الركض في ميدان السباق العالمي والإنتاج ووضع الإنسان القيمة العليا في مسار العمل المتكامل..

موضوع التفوق عندما هيمنت الحضارة الأوروبية، وانحصرت في حدودها خرج علماء اجتماعها وفلاسفتها ومحللوها النفسيون، ليقولوا إن شعوب القارات الأخرى لا تستطيع أن تجاريها لنقص في تركيب شخصية الفرد وتدني مستواه، وقد جرت من خلال هذه الأفكار الحروب والهيمنة على تلك الشعوب ونهب خيراتها، لكن اليابان استطاعت أن تقلب المعادلة عندما قدمت نموذجاً آخر في بناء قدرات الإنسان كرأسمالٍ متنام في سوق الإنتاج، فكانت المؤثر في قيادة آسيا عندما بدأت مزاحماً صغيراً للأوروبيين، ثم تتساوى مع بعضهم، وأخيراً تفوقت عليهم، وقد جاء الانفجار الهندي - الصيني، ليعلن أنهما موضوعتان على لائحة القوى العظمى القادمة..

وطننا العربي ليست العلة فيه ضعف الكفاءة، أو إنباتها في المشتل الكبير، لكن العلة أننا نعيش سلفية التاريخ، بمعنى أننا فعل ماضٍ نبني أحكامنا ونرسم خطوط القادم من أيامنا على صراعات ولدت في زمنها، وعولجت بمبدأ الخلاف بدلاً من الائتلاف، ونحن نستنسخ لزمننا نفس المواصفات والتقاليد، ومن هنا جاء الارتباك وضياع الفرص، واتجاه البوصلة بعكس مسارها، ولعل الرجوع إلى المنجز الحضاري العربي وكيف نبتت تلك العقول في بيئة صراع الكفاءات على المنجز بما في ذلك الفقهاء والعلماء ورجال الثقافة واللغة، لا نجد من يخلفهم، رغم وجود المميز الكبير في الحصول على المعلومة التي تمنحها وسائل التقدم التقني والعلمي في أن نتحدث عن اكتشاف أو اختراع أو جوائز عالمية تحظى باحترام الشعوب الأخرى..

دولة المعرفة تحتاج إلى العقل المخطط عندما يبدأ البناء من رياض الأطفال مروراً بالمدارس والمعاهد المهنية والعلمية، ثم الانتقال إلى مراكز البحث والإنتاج، وهذه المواصفات تتطلب خطة مرحلية تستوعب أفكار الإنسان وتحصيله وكفاءة إنتاجه، ونحن حتى الآن خارج هذه المسؤولية الوطنية والقومية، عندما نرى بلداناً تملك إمكانات زراعية تجوع، وأخرى لديها تنوع بيئي واكتظاظ بشري تعجز عن أن ترفع أداء عملها وتسدّ حاجاتها وفي هذه الظروف نكرر أننا نحتاج فعلياً وعملياً إلى دولة المعرفة والحرية..