اللقاء المقرر عقده اليوم في الجامعة العربية، على مستوى وزراء الخارجية العرب، غير مسبوق بظروفه؛ وبالتالي بتحدياته ومسؤولياته. غزة محاصرة، كما لم تعرف من قبل. لبنان غارق بأزمته السياسية، التي بدأ يتطاير منها الشرر. والأجواء العربية غير صافية؛ حتى لا نقول عاصفة.أمام هذا الموقف الضاغط المهدد بالانفجار تبدو رقعة الخيارات، متقلصة إلى آخر الحدود.
التأجيل لا يبدو له مكان بينها. استمرار التدهور له عواقب محشوة بالأدهى. حتى ضبط اندفاعه لا يوفر أكثر من شراء وقت لالتقاط الأنفاس، لا أكثر. هذا إذا تيسر الضبط. الاختناق في غزة؛ والالتهاب المشتعل بعودة نار التفجيرات والاغتيالات، في لبنان؛ لم يعودا يسمحان بأقل من التصدي القائم على الحلول القادرة على الصمود.
ومن البديهي، أن النهوض بمثل هذه المهمة، لا يتحقق من دون لملمة الوضع العربي، على قاعدة أن ما يجري فوق هاتين الساحتين لا ولن يقتصر عليهما. ثم إنه أخطر بكثير من أن يترك أمره لهما. أبعاده وتداعياته تعني وتطال المنطقة برمتها. ثم إن التصدع الداخلي، اللبناني والفلسطيني، عميق وخطير، أكثر من أي وقت مضى. بل هو يسير بوتيرة متسارعة نحو المزيد من التفاقم.
تعويم المبادرة العربية، بشأن الوضع اللبناني، لا يحتمل التراجع. فهي حظيت بالإجماع العربي، في الاجتماع السابق لوزراء الخارجية. كما سبق وجرت مشاورات واسعة حولها، أجراها الأمين العام للجامعة في بيروت ودمشق، لم تفلح في نقلها إلى حيز التنفيذ. الباب أمامها لا يزال مغلقاً؛ ولكن ليس مقفلاً، يمكن فتحه، على حد تعبير الأمين العام آنذاك.
مهمة الفتح هذه، أمام المجلس الوزاري، ولا مبالغة في أن الإجماع العربي على المحك، بخصوصها، فهي استحقاق لا يقبل الترحيل، لحظتها حانت، تدق الباب بإلحاح، بل هي تدق ناقوس الخطر قبل الدخول بالوضع إلى غرفة العناية الفائقة.
اغتيال أحد كبار ضباط الأمن، مع عدد من مرافقيه ومن المدنيين، قبل يومين، في بيروت؛ رسالة عاجلة، حول مدى ما وصلته الساحة اللبنانية من التأزم وسرعة العطب. وإذا كانت الحال في لبنان على هذه الدرجة من الدقة والخطورة والعجلة؛ فإنها ليست بالأقل منها في غزة.
القطاع يواجه حالة اختناق. أزمته بدأت تتمدد وتأخذ أبعاداً تهدد بالمزيد من التعقيد والاتساع وبما يريح إسرائيل أكثر ويحقق ما تريده، على صعيد نقل المشكلة عن ظهرها وحجب مسؤوليتها عن جريمة الحصار القاتل. بالأساس المدخل كان ولا يزال في رأب الصدع الفلسطيني الداخلي.
طريقه معروف: الحوار وليس أي شيء آخر. ليس فقط حول المعابر بل أيضاً حول قضايا الوحدة الوطنية وضرورة إعادة تصليح ما انكسر منها. على الأقل بما يكفل عودة الحد الأدنى من اللحمة إليها. وإذا كانت هذه المهمة منوط تفعيلها اليوم بالمجلس الوزاري؛ فإن إنجازها مسؤولية تاريخية في أعناق الأطراف الفلسطينية المعنية. اللحظة فاصلة في المنطقة ولا مجال للخطأ أو التلكؤ.
