ليس من الدقيق أن نصف ما يحدث على الأرض الفلسطينية وما يتعرض له الشعب الفلسطيني من حرب الإبادة النازية الإسرائيلية بأنه النتيجة الطبيعة لمؤتمر أنابوليس فقط. فالوجه الآخر للقضية يقول إنه لولا الوضع الكارثي الفلسطيني ولولا مسيرة التراجع العربي لما كان مؤتمر أنا بوليس قد انعقد أصلا بالشكل الذي انعقد به ولا بالنتائج التي توصل إليها..

فلا العرب كانوا سيقبلون الذهاب لمؤتمر يسقط كل المرجعيات الدولية إلا «رؤية» الرئيس «الملهم» بوش، ولا الفلسطينيون كانوا سيدخلون عملية تفاوض بشروط إذعان لا تكتفي بإسقاط حق العودة وضياع القدس وبقاء المستوطنات،

بل ويفرض عليهم ـ وعلى العرب بعد ذلك ـ الاعتراف بيهودية الدولة الإسرائيلية والاستعداد لعملية «ترانسفير» جديدة لطرد عرب 48 من أراضيهم التي تشبثوا بها ستين عاما بعد النكبة! الكيان الصهيوني لم ينشأ، ولم يستمر حتى الآن إلا بالعنف والوحشية، فما الذي يجعله يتغير؟

ولماذا يتغير إذا كانت موازين القوى كلها في صالحه، والدعم الأميركي له بلا حدود، والدول العربية تتخلى يوما بعد يوم عن الأوراق التي تملكها في صراعها معه، والأسلحة الفلسطينية موجهة إلى الصدور الفلسطينية، ودماء الشهداء تذهب هدراً في صراع على سلطة وهمية لا تملك من أمرها شيئاً!!

ومع ذلك فالموقف ـ عند الرأي العام العربي ـ بمجمله، يرتبط بصور متلاحقة تتكامل لتصل إلى اللحظة المأساوية التي يعيشها الفلسطينيون: صورة مؤتمر أنابوليس والعرب ذاهبون بلا اقتناع أو بلا رغبة ليشاركوا في تظاهرة هم أول من يعرف عدم جدواها. ثم صورة الرئيس الأميركي يتجول في المنطقة فيتبنى الموقف الإسرائيلي كاملاً،

ثم يتفرغ بعد ذلك لقضاياه الأساسية مثل البقاء المستمر في العراق وإدارة الصراع مع إيران. ثم صورة المأساة الإنسانية في غزة، والتي قد تخف حدتها لفترة ثم تتكرر كلما أرادت إسرائيل، مادام الدعم الأميركي موجوداً، والعجز العربي حاضراً، واللامبالاة هي رد الفعل العالمي، ومادام التفاوض مستمراً مع الجانب الفلسطيني رغم كل ما حدث ويحدث!

و لا شك أن جزءاً كبيراً من مسؤولية ما يواجهه الشعب الفلسطيني الآن يقع على عاتق «فتح» و«حماس» والحرب الأهلية التي أشعلاها لتقضي على ما تبقى من قدرة لدى شعبنا في فلسطين على الصمود.

لكن جذور المأساة تعود إلى ما قبل ذلك بكثير، ويمكن أن يكون تبني نهج أوسلو هو النقطة الحاسمة في هذا المجال، حين وافقت القيادة الفلسطينية على التنازل عن معظم ما تملكه من أوراق مقابل وعود (مجرد وعود) بالتفاوض على القضايا الأساسية مثلما يحدث اليوم.

كان جوهر هذا النهج أن تعترف منظمة التحرير الفلسطينية بالكيان الصهيوني، وأن تتخلى عن المقاومة بكل أشكالها، وأن تقيم السلطة الفلسطينية داخل الأرض المحتلة عام 67 لتبدأ التفاوض على القضايا الأساسية.

وكان رهان عرفات أنه في الداخل سيكون أقوى، وأنه بإقامة السلطة قد وضع أساس الدولة، وأنه إذا اكتسب ثقة واشنطن فستنهار كل العقبات.. وكانت نهاية عرفات وحيداً محاصراً معزولاً ثم مقتولاً في مقره الذي رفعوا صوره منه أخيرا استعداداً لزيارة الرئيس الأميركي بوش «التاريخية»!

ولم يكن التخلص من عرفات لأنه لم يوافق على التسوية الأميركية التي اقترحت عليه في نهاية عهد الرئيس كلينتون، ولكن لأنه حاول ـ من خلال الانتفاضة ـ أن يعيد إحياء سلاح المقاومة بعد أن أدرك الدرس الذي ما كان ينبغي أن يتناساه وهو يتبنى نهج أوسلو: وهو أنه لا توجد مقاومة وطنية حقيقية تستحق اسمها تلقي سلاحها قبل أن تحقق النصر أو تتفق على التسوية.

وبعد رحيل عرفات، كان التحول الهام في حركة «حماس» حين قررت دخول الانتخابات والمشاركة في السلطة. وكان هذا التحول مغامرة كبيرة، لأنه كان يعني ـ مهما كانت الأقوال ـ الدخول في عملية أوسلو والتعامل مع الأجهزة التي أفرزتها.

ومع ذلك كان الأمل أن تقود الشراكة بينها وبين «فتح» إلى تصحيح في المسار، بإعادة الاعتبار إلى المقاومة ورفض وصفها بالإرهاب، وربط التخلي عنها بالوصول إلى التسوية العادلة وفقاً لقرارات الشرعية الدولية.

لكن الأمر انتهي بالمأساة الحالية.. «حماس» في غزة لا تقاوم ولا تحكم، و«فتح» في الضفة لا تحكم ولا تقاوم.. والفارق الوحيد أن سلطة رام الله تقول إنها تفاوض على الحل النهائي، بينما الحقائق تقول إن التفاوض الحقيقي لا يجري بين اولمرت وابومازن،

ولا بين ليفني وابوالعلاء. التفاوض الحقيقي يجري على الأرض! في غزة بالمذابح اليومية والحصار المستمر، وقطع الكهرباء وتجويع مليون ونصف مليون فلسطيني حتى يقبلوا بالحل المفروض دون قيد أو شروط.

وفي الضفة باستمرار الاستيطان وتهويد القدس، والمداهمات والاغتيالات، وربط المساعدات الدولية التي تؤمن رغيف الخبز بالتحول إلى حماية قوات الاحتلال حتى تفرض الأمر الواقع الذي تريده.

فماذا لدى الجانب الفلسطيني في هذا التفاوض الحقيقي الذي يجري على الأرض؟ وأي نتيجة يمكن الوصول إليها إلا الكارثة إذا استمر هذا النهج الذي لا يملك فيه احد أن يقاوم مقاومة جادة، ولا يملك فيه أحد أن يفاوض تفاوضاً حقيقياً وليس بمنطق اننا نفاوض لأننا نملك خياراً آخر؟

هذه المأساة الحقيقية، والتي يعرف الجميع انه لا يمكن مواجهتها إلا باستعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية حول برنامج موحد للعمل الوطني يتمسك بثوابت النضال الفلسطيني، ويؤكد استمرار المقاومة (بكل إشكالها) حتى انتهاء الاحتلال، ويعلن أن الشرعية الدولية وحدها هي الطريق لسلام عادل، ويرفض الإملاءات الإسرائيلية والشروط الأميركية.

الكل يعرف الطريق، ولكننا ـ للأسف الشديد ـ سنظل بعيدين عنه. مادام هناك في «حماس» من لا يزال يعتقد ان الاستيلاء على «السلطة» الوهمية في غزة كان هو التحرير الثاني لها، وكأنها كانت تحررت أولا بالانسحاب الوهمي لجنود الاحتلال وإبقاء أهل القطاع رهينة تفعل بهم إسرائيل ما تشاء وقتما تشاء، وتمارس الاحتلال بأبشع صوره النازية دون أن تدفع تكاليفه.

ومادام هناك على الجانب الآخر من يفاوض لأنه لا يملك خياراً آخر، ومن يطبق خريطة طريق وهو يعرف أنها لن تقوده إلى شيء، ومن يستمر في الترويج لوهم السلام خوفاً من اتهامه بإفساد عملية تجميل الرئيس الأميركي وسياسته في المنطقة.. استعداداً للأسوأ القادم.

وسيظل الشعب الفلسطيني ينزف من دمه ومن حقوقه، وهو يسير وراء حكومات لا تحكم، ومقاومة لا تقاوم، ومفاوضات تخلى عن أوراقه فيها مقدماً، وسلام لن يأتي لأن السلام تصنعه الحقائق على الأرض وليست الوعود على موائد المفاوضات!

أمر واحد ربما يجعل الضمائر تصحو في هذه الظروف العصيبة. فلا شك ان مشاعر الغضب على ما حدث ويحدث في فلسطين تعصف بالوطن العربي من المحيط إلى الخليج، ومع ذلك فإن هذه المشاعر لم تترجم نفسها في تحرك الجماهير وخروج الملايين

لتعلن غضبها بالصورة التي تناسب حجم الغضب. فهل تصل الرسالة إلى الإخوة المتصارعين على «السلطة» في غزة ورام الله لتدق ناقوس الخطر وتقول للإخوة الأعداء: هذا بعض ما فعلتموه بنا وبفلسطين.. فهل من لحظة للحقيقة يرحمكم الله؟!

لو كانت الحال غير الحال، هل كان من الممكن أن تحدث هذه المذابح اليومية والإذلال المستمر، بينما الإخوة الأعداء مشغولون بالصراع حول من «يسيطر» على المعابر.. وهل هو أبومازن أم حكومة هنية، وكأن هذا الأمر هو الذي سيحرر فلسطين ويعيد الأرض والحقوق؟!

ولو كانت الحال غير الحال، هل كان الحصار والتجويع والقتل والاغتيال هي الزاد اليومي للفلسطينيين.. بينما البعض مازال يتحدث عن فرص السلام ويخطط لاستئناف المفاوضات، وكأن السلام لن يمر إلا على جثث الشعب الفلسطيني الصابر المجاهد؟

ولو كانت الحال غير الحال، هل كانت الولايات المتحدة الأميركية تسمح بكل هذه المجازر البشعة والتي تتم بالسلاح الأميركي، ثم تقف أمام أي إدانة لإسرائيل وتصر على أنها (أي إسرائيل) تمارس حقها المشروع في الدفاع عن أمنها؟

وهل كانت تفعل ذلك ثم تمضي آمنة مطمئنة إلى أن مصالحها في العالم العربي بألف خير، ونفوذها يزداد يوما بعد يوم حتى ولو كره 300 مليون عربي وأضعافهم في العالم الإسلامي والشعوب الحرة؟

ولو كانت الحال غير الحال، هل كان الأمين العام للأمم المتحدة قد رفض رجاء مندوبي الدول العربية في الأمم المتحدة للاجتماع به لدقائق لشرح حقيقة ما يجري في الأرض الفلسطينية.. لأن الرجل مشغول، والقضية غير هامة، والاجتماع بهم لن يقدم ولن يؤخر؟

و.. معذرة، فقد كنت أريد أن أخصص مقال هذا الأسبوع لذكرى رجل رحل عنا قبل أكثر من خمسة وثلاثين عاما، ومازال يعيش في ذاكرة الأمة، ترفع صوره في كل تظاهرة قومية تشهدها مدينة عربية من المحيط إلى الخليج، بل وفي داخل الأرض الفلسطينية المحتلة.

كنت أريد أن أتحدث عن جمال عبدالناصر في ذكرى مولده التسعين فداهمتنا الأحداث.. و لكن هل تراني وأنا أتحدث عن الحرج الفلسطيني والعربي قد ابتعدت عن الذكرى وصاحبها؟!.

كاتب صحافي مصري