استجابت مصر لنبضها القومي، فتدفق مئات الآلاف من أبناء غزة على رفح والعريش، في سيل عارم، سقطت أمامه البوابات والحواجز الأسمنتية، والأسلاك الشائكة، التي محتها روابط الجغرافيا والتاريخ في غمضة عين.

وتاه في المشهد الملحمي لكسر الحصار الظالم، جنود الحراسة المصريون، الذين تلقوا أوامر بعدم التدخل والاكتفاء بمراقبة ما يجري على أرض سيناء التي لا تعرف التفرقة بين الفلسطيني والمصري على مر العصور.

هكذا انتصرت مصر لشارعها العربي الذي كانت قلوب أبنائه تهفوا إلى تجنيب غزة وأهلها كارثة إنسانية، أرادها الاحتلال الإسرائيلي، لتركيع شعب لا يزال يمسك بجذوة الدفاع عن حقه المشروع في الحياة الكريمة، واسترداد أرضه السليبة.

تستحق مصر التقدير على هذه الخطوة الشجاعة، وإن حاول البعض التصيد في الماء العكر، فهي تعبير أصيل عن رفض مصر(تجويع الفلسطينيين) وعدم السماح بوقوع كارثة إنسانية في غزة كما أكد الرئيس المصري حسني مبارك.

الضغوط الإسرائيلية والأميركية التي تسعى إلى تحميل مصر مسؤولية ما جرى على حدودها الشرقية مع فلسطين، لا ينطبق عليها سوى القول (إذا لم تستح فافعل ما شئت). فقد دفعت تل أبيب وبمباركة أميركية الفلسطينيين على (الخروج الكبير) كما اسماه البعض من السجن الكبير نحو الأراضي المصرية، التي استقبلت بحفاوة الأشقاء، لتثبت مصر مرة أخرى أنها وقت الأزمات، لا يمكن أن تتنازل عن عروبتها مهما كان الثمن.

لكن ذلك كله مجرد حل مؤقت لمشاكل مزمنة، لن تفلح المسكنات لشهر أو شهرين في علاجها، والمطلوب التحرك في أكثر من اتجاه، لضمان عدم تكرار ما حدث وبما يحفظ الاستقرار الأمني والسياسي لمصر وألا يكون خروج الغزاويين تصديرا لمشاكل إسرائيل إليها.

وفي هذا السياق يفهم التهديد الذي سارعت أصوات إسرائيلية إلى إطلاقه عن قطع كافة الروابط مع قطاع غزة. كما أن الأشقاء في حركتي فتح وحماس، مطالبون الآن وأكثر من أي وقت مضى، بتغليب مصلحة الشعب الفلسطيني خطورة الانقسامات،

والعمل سويا من اجل فتح حوار جاد وحقيقي يسقط كل الشروط المسبقة.فتبادل الاتهامات داخل البيت الفلسطيني الواحد، حول من كان السبب في وصول غزة إلى حافة الكارثة الإنسانية، لم يعد مجديا، والمراوحة في المكان ذاته، لا يمكن أن تكسر حلقات يجب على كل الفلسطينيين التكاتف من اجل فك قيودها.

وعربيا الكل مدعو إلى استغلال خطوة تخطي الفلسطينيين الحواجز والوصول إلى بحر غزة حيث غاص بعض الغزاويين رغم البرد في مياهه حبا للحرية، ولا يجب أن ينسى البعض أن هناك قرارات عربية بكسر الحصار المفروض على غزة، وقد حان الوقت لكي نثبت أن الشعارات المرفوعة يمكن تنزيلها إلى أرض الواقع.

أقدم الفلسطينيون على خطوة جريئة وغير مسبوقة بعبورهم إلى مصر التي تجاوبت معها، وبقي على إخوانهم العرب المساعدة في تقديم يد العون والغطاء السياسي والاقتصادي، وألا يعتبر البعض ما جرى في رفح والعريش شأن أصحابه من الفلسطينيين والمصريين.فالكارثة الإنسانية التي كانت ولا تزال تهدد غزة تستدعي تحمل الجميع مسؤولياتهم القومية، وألا يدير البعض ظهورهم خشية ضغط من هنا أو هناك.

كسر الفلسطينيون في غزة حاجز الخوف في وجه الحصار الظالم، الذي زعمت واشنطن انه (دفاع إسرائيلي عن النفس)، وعلى العرب أن يكسروا حواجز مماثلة تهدف عمدا تجويع أشقائهم أمام ناظريهم.

مصر رفضت تجويع غزة، وعلى باقي الأشقاء الأخذ في الاعتبار ما يترتب على موقفها من تبعات تجاه أمنها القومي، الذي يتربص به الإسرائيليون بتصدير أزماتهم إليها، ثم المسارعة بتحميلها المسؤولية عن إطعام الفلسطينيين استجابة لحسها القومي الذي لا يمكنها تجاهله تحت أي ظرف من الظروف.