على جسر موستار التاريخي والذي يربط شرق أوروبا بغربها وتم تدشينه قبل عامين بعد أن دمر في الحرب الأهلية الأخيرة يقف مواطن بوسنوي واضعاً قبعته بين يديه ليلقي بها السياح ما يجودون به، وبعد أن يعتقد بأنه حصل على صفقة جيدة يرمي بنفسه من أعلى الجسر المرتفع لأكثر من 50 متراً في المياه الباردة وهو في هذه الحالة لا يختلف عن موطنه المنهك الذي يقف على جسر بين عالمين شرقي وغربي ينتظر العرض الأفضل ليلقي بنفسه في المجهول.
كان رفض الرئيس الروسي فلاديميير بوتين صباح أمس الأول استقلال كوسوفو من طرف واحد محبطا لورثة إبراهيم روغوفا السياسيين ولمباحثات رئيس الإقليم (فاتيمير سيديو) المضنية مع بلغراد ويبدو أن روسيا الجديدة القوية أو المدعية للقوة قد وعت درس الأقاليم القابلة للانفصال وما تشكله من دويلات متحالفة مع الغرب
كما حدث في الحالة الكردية التي يصفها المسؤولون الأميركيون دائماً بأنها التجربة الناجحة والمتميزة. وعلى الرغم من اختلاف الحالتين في المعطيات والنتائج وبعيداً عن رغبات شعوب المنطقة الأيدلوجية والعاطفية مع شعب عانى الأمرين ولم يجد الدعم الإعلامي والمالي الذي حظيت به قضايا بلقانية أخرى من قبل ربما باستثناء بعض العمل العسكري ذي الطابع الخيري من قبل القوات المسلحة في دولة الإمارات العربية المتحدة،
إلا أن تمييع قضية استقلال كوسوفو بعد بيان الرئيس الروسي وقبله بيوم واحد دعوة الرئيس الصربي بوريس تاديش لمجلس الأمن الدولي إلى رفض استقلال أحادي الجانب لإقليم كوسوفو كان خبراً سعيداً ـ سياسياً على الأقل ـ للجارة البعيدة جمهورية البوسنة والهرسك والتي ترى فيه وضع حد لرغبة إقليم (سربسكا) البوسني بالمعاملة بالمثل
وهي الرغبة التي عبر عنها رئيس إقليم صرب البوسنة ميلوراد دوديك أكثر من مرة مما قد يؤدي إلى الاستقلال عن الجمهورية الحديثة قبل اكمال الخطة الاتحادية لدمج مؤسسات ما يعرف بجمهورية صرب البوسنة (سربسكا) في النسيج الاتحادي المعقد (المسلم ـ الكاثوليكي ـ الأرثودكسي)
أو ربما (البوشناقي ـ الصربي ـ الكرواتي) وزاد في تأكيد هذا الاتجاه تصريح الرجل المعروف لدينا جيداً زلماي خليل زاده أن مناقشات مجلس الأمن «ما زالت في طريق مسدود». لعبت الأطراف المجاورة للبوسنة أثناء الحرب الأهلية الأخيرة (1991 ـ 1996) على نفس النمط الذي لعب به جميع محرري العراق مؤخراً فلم يكن التقسيم (عربيا وكرديا)
ولا (شيعيا وسنيا) بل أصبح (شيعيا وكرديا وعربيا سنيا) مما يجعل اللعبة السياسية تدور على حساب الطرف الأصغر الذي لا يملك عوامل مشتركة أكبر في مسألتي الطائفة والقومية في الحالة العراقية وفي مسألتي الديانة والأصل العرقي في المسألة البوسنوية، ولم تنتبه القيادة السياسية لحزب العمل الديمقراطي في نهاية الحرب لصغر سنها السياسي في ذلك الحين لهذه المعضلة،
كما يذكر مؤسس وباني البوسنة الحديثة علي عزت بيغوفيتش في مذكراته التي نشرت قبيل وفاته.
إلا أنه وخلافاً لتوقعات الكثير من المراقبين والسياسيين البوسنيين فقد وقعت البوسنة مع الإتحاد الأوروبي اتفاقاً يضع البوسنة علي طريق عضوية الاتحاد الأوروبي وذلك بعد توصل زعماء الفئات العرقية إلى اتفاق على مجموعة من الإصلاحات للتأكد من أن الجزأين الصربي والإسلامي الكرواتي من البوسنة والهرسك يمكنهما العمل معا
وتكون بذلك آخر دولة بلقانية تكون علاقات مع الإتحاد الأوروبي أو النادي المسيحي، وإذا كانت تركيا بسبب وضعها الاجتماعي والاقتصادي تحوي تيارات تعارض الانضمام في هذا النادي فإن الدولة الفقيرة المنسية الخارجة من رماد الحروب لا يجد أبناؤها أي وسيلة للحلم سوى عبر ذلك النادي
حتى ولو كان الانضمام إليه يعني القبول بشروط من ضمنها منع دخول مواطني حليفة الأمس والبلد الأم تركيا من دون تأشيرات مسبقة وتسليم المقاتلين العرب الذين قضوا أكثر من ست سنوات في خنادق الجبهات للحفاظ على هوية البوسنة قبل هوجة الإرهاب الذين أصبحوا موصومين به.
وإذا تعامل قادة الإتحاد الأوروبي بعيداً عن الرمزية المسيحية لاتحادهم وبمهنية مع ملف البوسنة فأعتقد أننا سوف نرى للمرة الأولى دولة لا تزال آثار الحضارة العثمانية شامخة فيها ـ وان لم تكن عضواً في منظمة المؤتمر الإسلامي في جدة ـ تنظم لهذا الكيان،
خاصة وأن انضمام كرواتيا الصديق اللدود قبل البوسنة سيكون سبباً بشكل غير مباشر في قيام دولة ذات طابع إسلامي بالكامل في البوسنة على عكس ما يشتهي اغلب الأوروبيين بسبب قانون يعود لأكثر من عقد في كرواتيا وينص على حق أي مواطن بوسني - كرواتي في الحصول على الجنسية الكرواتية بعد إنهاء معاملة بسيطة
مما سيعني عملياً أنه في حال دخول كرواتيا للإتحاد الأوروبي قبل البوسنة والهرسك فإن أغلب البوسنيين ـ الكروات وهم من الكاثوليك بالطبع سينظرون للفرص المواتية في البلد الأم وينتقلون إلى حمل جنسيته وهم يحملون لغته وأسماءه مما سيؤدي إلى هجرة كبرى من البوسنة وتزايد نسبة العنصر الإسلامي ـ البوشناقي فيها بشكل كبير.
البوسنة بلد الجسور ؛ حيث تشتهر هذه الجمهورية البلقانية بالجسر الذي اغتيل عليه الأرشدوق النمساوي وولي العهد وكان شرارة بدء الحرب العالمية الأولى عام 1914 م، وجسر موستار المذكور آنفا تحاول مد جسور مع الإتحاد الأوروبي على أنها تكتم أنفاسها كلما تصافح رئيس وزراء إقليم كوسوفو هاشم تاجي مع الرئيس الصربي بوريس تاديتش
لمعرفة ما ستتمخض عنه هذه المصافحة والتي كان آخرها في الأسبوع الماضي، على أن هذا الخيار المر لم يكن بحسب ما قاله لي رئيس الوزراء البوسني الأسبق (حارث سيلاديتش) بعربيته اللطيفة، إلا بسبب التجاهل الاستثماري العربي لأكبر مصدر للمياه الحلوة غير المستغلة في العالم.
كاتب إماراتي