تنفست الكويت الصعداء يوم الثلاثاء الماضي حينما عقدت جلسة لمجلس الأمة وكان على رأس جدول أعمالها موضوع التصويت على طرح الثقة بالوزيرة نورية براك الصبيح، والذي تقدم به قبل أسبوعين عشرة نواب من اتجاهات إسلامية مستقلة ومن التكتل الشعبي تحديداً، تنفست الكويت الصعداء لأن طرح الثقة بالوزيرة لم يلق قبولاً كافياً من النواب وبالتالي كان مصيره الفشل.

والحق أن نورية الصبيح قد أبلت بلاءً حسناً في استجوابها وكانت «أسبع» من كثير من الرجال في ردودها وفي منطقها مما أسقط بيد المستجوبين وضعفت حجتهم وبدا أن الاستجواب كيدي لضعف محاوره،

دون أن يعني ذلك عدم تعاطف أعضاء المجلس الآخرين والرأي العام الكويتي مع بعض ما طرح من قبيل حادثة هتك العرض التي تعرض لها مجموعة من التلاميذ في مدرسة بالعارضة، ومطالبة الجميع بوجوب تقديم الجناة إلى المحاكمة لينالوا القصاص العادل.

فالمستجوبون كانوا يرمون من تقديم مثل هذه القضايا وجعلها محاور رئيسية إثارة عطف الشارع وتأليبه على الوزيرة، بل وابتزازها كالعادة لتحقيق مصالح فئوية وحزبية ضيقة. وقد بينت الوزيرة أنها اتخذت كافة الإجراءات لمعاقبة الجناة حينما تأكدت من الواقعة،

وذكّرت المستجوبين بطريقة عمل التنظيم الإداري وبتسلسله الهرمي المعروف في أي عمل تقوم به مما ينفي مسؤوليتها عن التقصير، فهي عملت ما بوسعها لعلاج تلك الواقعة وغيرها من الأمور التي تصادفها أي إدارة وهي تقوم بعملها.

وبينت للمستجوبين في تلك الجلسة الشهيرة التي استمرت عشر ساعات أنها تقوم بتطبيق القانون ما وسعها إلى ذلك سبيلاً كقانون منع الاختلاط في الجامعات الخاصة على سبيل المثال، والتي قامت بمحاولة تطبيقه مع وجود معارضة طلابية فضلاً عن معارضة إدارات تلك الجامعات على مثل هذا الإجراء كونها جامعات خاصة ينتسب إليها من يشاء بمحض إرادته.

وما إن انتهي الاستجواب قبل أسبوعين حتى بدأت الغيوم السوداء تنقشع عن المشهد السياسي في الكويت، إذ بان تذمر المواطنين من الاستخدام المتعسف لأداة دستورية يفترض فيها تطوير الرقابة الشعبية وإصلاح الخلل في العمل الحكومي، واستنكر الكثير من أفراد الشعب الكويتي عملية التهديد بالاستجواب لكل صغيرة وكبيرة،

واشتكت الغالبية بأن دور المجلس قد تحول من الرقابة والتشريع إلى الصراخ والعويل وتعطيل المشاريع الإستراتيجية والحيوية التي لابد من انجازها في هذه المرحلة المفصلية من تاريخ البلاد، حيث أصبحت عائدات النفط المتصاعدة تعطي الإمكانية لاستثمارها في مجالات تنويع الدخل فضلاً عن الاستمرار في برنامج الإصلاح الاقتصادي وخصخصة بعض القطاعات والنشاطات التي كان من الضروري أن تكون تحت إدارة القطاع الخاص منذ مدة طويلة.

وقد أفرز هذا الجو الضاغط تمرير ثلاثة قوانين مهمة وهي خصخصة الخطوط الجوية الكويتية، وحماية أملاك الدولة والمخازن. وكانت هذه القوانين بين أخذ ورد مدة طويلة بين المجلس والحكومة، بالذات خصخصة الخطوط الجوية الكويتية، وهي أقدم شركة في المنطقة وبها جيش من العاملين، الكثير من هؤلاء تم توظيفهم بواسطة نواب مجلس الأمة دون الحاجة الفعلية لهم!!

وقد أدى هذا الاستجواب ذو المحاور الركيكة إلى خلق جو من الشقاق والاختلاف والبلبلة في صفوف الكتل السياسية الإسلامية، من سلف وإخوان وأيضاً في أوساط التكتل الشعبي، في حين تعززت صفوف المؤيدين للوزيرة بالذات في أوساط النواب الوطنيين وغيرهم، الذين وقفوا يدافعون عنها ويبينون للرأي العام أن مضمون الاستجواب لا يستحق طرح الثقة فضلاً عن أن طرح الثقة هو آخر الحلول والخيارات وليس أولها.

وأعلنت الحركة الدستورية (الإخوان المسلمون) في وقت مبكر أن محتوى الاستجواب لا يستدعي طرح الثقة. ويبدو أنهم ارتضوا بإجراءات الوزيرة فيما يتعلق بتفعيل قانون منع الاختلاط في الجامعات الخاصة وربما أيضاً لأسباب عائلية!!

أما الحركة السلفية، فقد انقسم معسكرها بين مؤيد لطرح الثقة بالوزيرة ومعارض له، وقد أدى ذلك الموقف المرتبك بالنائب دعيج الشمري إلى استفتاء الشيخ الدكتور عجيل النشمي، أستاذ الشريعة بجامعة الكويت الذي جاءت فتواه تعبيراً عن الرأي الفقهي غير المسيس، والذي نحن بأمس الحاجة إليه في هذه المرحلة التي كثرت فيها الفتاوى المتسرعة والمسيسة.

فقد أوضح في فتواه الأولى، أن منصب الوزيرة ليس من مناصب الولاية العامة، ثم استدرك في فتوى تالية حينما فهمت فتواه الأولى خطاً بأن الحكم على الوزيرة كما هو مطروح ليس حول ما إذا كان المنصب الوزاري يمثل ولاية عامة أو غير ذلك، وإنما حول تقييم أداء الوزيرة وهل كانت مذنبة بنظر النائب أم كانت بريئة، وهذا القرار ـ كما جاء في فتواه ـ يخضع لضمير كل نائب ومدى اقتناعه الشخصي بردودها.

وكان حظ التكتل الشعبي ليس أفضل من حظ السلف إذ دب الخلاف في أوساطهم حول جدية الاستجواب وما يترتب عليه من موقف من الوزيرة. ويذكر أن هذا التكتل إنما هو خليط من النواب الحضر والقبائل ومن السنة والشيعة تجمعهم الأطروحات الشعوبية من قبيل إسقاط القروض ورفع الرواتب وغير ذلك.

وقد انقسم هؤلاء في يوم التصويت، فبعضهم مال إلى طرح الثقة، والآخرون وقفوا ضد ذلك. وجاء تصويت يوم الثلاثاء الفائت ليحسم الأمر، إذ كان عدد المؤيدين لطرح الثقة 19 نائباً، وامتنع نائبان (سلفيان) في حين أعطى 27 نائباً الثقة للوزيرة.

ولابد من القول إن طاقة الكويت أخذت تستنفد في مثل هذا الجدل السياسي العقيم، فلو كان الاستجواب حول تدني مخرجات التعليم وعدم ارتباطه بسوق العمل وخطة التنمية لرحب به الجميع، ولتحولت نقاشات الاستجواب إلى ما يشبه النقاشات الأكاديمية معززة بسلطة اتخاذ القرار التي يتمتع بها النواب،

وبالتالي إصلاح ما يتبين لهم أنه خلل أو تذليل ما قد يقف في سبيل التطوير والتجديد. لكن عتب الشارع الكويتي بل تبرمه أن الاستجوابات أصبحت «موضة» و «كلمة حق يراد بها باطل» فهي لم تعد آلية للإصلاح بل وسيلة لدغدغة العواطف وكسب الشعبية بوسائل رخيصة على حساب المصلحة العامة.

والحق أن غبار معركة طرح الثقة بالوزيرة القديرة نورية الصبيح قد انقشع، بيد أن قضايا التعليم ومشكلاته ما زالت باقية وهي بحاجة إلى معركة مجتمعية واستجوابات «تقنية وليست سياسية» كي نضع أقدامنا في القرن الحادي والعشرين.

كاتب كويتي

alyusefi@hotmail.com