قبل أن تقوم إدارة بوش بتنفيذ حملة الغزو على العراق تلقى الرأي العام الأميركي منها 935 بياناً أو خطاباً كاذباً، هذه خلاصة دراسة صدرت عن «مركز السلامة العامة»، وهو مؤسسة أميركية مستقلة، ومقرها في واشنطن، ورغم هذا الكذب العمد الموثق لم تتخذ إجراءات مساءلة ـ فضلاً عن محاسبة ـ تجاه جورج بوش أو أي أحد من أركان إدارته.

تقول الدراسة إن شن الحرب على العراق سبقه ترتيب حملة مبرمجة لتبريرها، ومن خلال هذه البرمجة صدر عن رجال الإدارة الأميركية ـ بمن فيهم الرئيس ـ ما لا يقل عن 935 بياناً أو خطاباً تتضمن معلومات مضللة «لإثبات» أن عراق صدام يمتلك أسلحة دمار شامل وأنه على علاقة عمل مع تنظيم «القاعدة».

المعلومات التضليلية وردت على ألسنة الرئيس وستة من كبار مساعديه بمن فيهم نائبه ديك تشيني ومستشارة الأمن القومي آنذاك كوندوليزا رايس ووزير الدفاع آنذاك دونالد رامسفيلد. بالطبع لم يعد هناك من شك أن عراق صدام كان خالياً من أية أسلحة نووية أو كيماوية أو جرثومية،

وأن صدام عاش ومات علمانياً أبعد ما يكون نظامه على صلة بالتنظيمات الإسلامية المتشددة وأبرزها «القاعدة». تلك كانت النتيجة النهائية التي توصلت إليها تحقيقات أجرتها العديد من لجان داخل الكونجرس وخارجه، وكان أبرز هذه التحقيقات تحقيق قامت به لجنة مجلس الشيوخ للاستخبارات ولجنة التحقيق الخاص بتفجيرات سبتمبر في نيويورك وواشنطن.

باختصار يقول تقرير المركز إن إدارة بوش قادت الولايات المتحدة وشعبها إلى حرب شاملة على أساس معلومات مطبوخة تعمدت الترويج لها، ومن بين مئات البيانات الكاذبة كان للرئيس بوش نفسه نصيب الأسد.

فقد مارس الكذب العمد من خلال 232 بياناً أو خطاباً أو تصريحاً إعلامياً. وجاء في الترتيب الثاني وزير الخارجية السابق كولين باول. وبالإضافة إلى الشخصيات الواردة أسماؤها آنفا شارك في حملة التضليل المعلوماتي أيضاً نائب وزير الدفاع بول وولفويتز والناطقان باسم البيت الأبيض آنذاك لاري فيشر وسكوت ماكميلان.

وللدراسة التي أصدرها مركز السلامة جانب مثير آخر يتعلق بالمؤسسات الإعلامية الأميركية الكبرى. فقد كانت شريكاً أصيلاً في جريمة التضليل. فبدل أن تمحص ما كان يصل إليها من البيانات والخطابات لتستوثق من مدى مصداقيتها بوسائل الاستقصاء الإخباري الإعلامي فإنها على العكس من ذلك تماماً كانت تلجأ إلى تضخيم الأكاذيب انطلاقاً من تحيزها المسبق للخط السياسي الخارجي لإدارة بوش.

لقد خدعت الإدارة الأميركية شعبها، وخدعت العالم أجمع، دون أن يخضع رجالها لمحاسبة أو حتى مجرد مساءلة، وما يستخلص إذن هو تساؤل عن ما إذا كانت مؤسسة السلطة الأميركية محكومة بمبدأ الشفافية الذي يشكل أحد المرتكزات الأساسية للنظام الديمقراطي.

ومن هذا التساؤل يتفرع تساؤل عن مصداقية أجهزة الاستخبارات الأميركية وعلاقتها مع السلطة التنفيذية العليا. فقد ثبت أنه بعد أن تتخذ الإدارة قراراً ما، فان مهمة الأجهزة الاستخباراتية في هذه الحالة تكون إعداد طبخة من معلومات ملفقة من أجل تبرير القرار.

ويبدو أن هذا نهج راسخ في مؤسسة السلطة الأميركية على تعاقب الإدارات والرؤساء. فقد كان القرار الأميركي في عام 1965 بإعلان الحرب على فيتنام نتيجة لمعلومة قدمها الرئيس لندون جونسون إلى الكونجرس بأن زوارق حربية فيتنامية هاجمت سفينة حربية أميركية في المياه الدولية قرب الساحل الفيتنامي. وما ظهر لاحقاً ـ بعد الحرب ـ أن تلك كانت معلومة استخباراتية ملفقة بنسبة مئة في المئة.