لو أنك سألت أي مواطن مصري هذه الأيام عن رأيه في الفلسطينيين الذين تدفقوا الى رفح والعريش للحصول على احتياجاتهم من الغذاء والمواد الأساسية لقال لك: هم أشقاؤنا.. وهم في القلب والعين.. ومرحبا بهم في أي وقت. ولسنا في حاجة هنا لإعادة قراءة التاريخ لنعرف مدى ما قدمته مصر العربية لأشقائها الفلسطينيين.
وسيدرك أي قاريء لهذا التاريخ أن مصر ما كانت لتتأخر أبدا عن نجدة الفلسطينيين في أزمتهم الحالية في غزة والتي فرضتها عليهم يد الاحتلال الوحشية ولم يكن قرار رئيس مصر الإنسان الرئيس مبارك بفتح المعابر والسماح لأبنائه الفلسطينيين للتزود بالطعام والوقود إلا امتدادا لهذا الموقف المساند للفلسطينيين منذ بداية قضيتهم( وقضيتنا) مع إسرائيل منذ عشرات السنين.
غير أن الشقيق يحتاج ـ بين وقت وآخر ـ للتوقف مع شقيقة للحظات إذا ما ظهر عرض ما قد يفسد علاقة الأخوة بينهما لا سمح الله ـ. وهنا فإن علينا أن نورد بعض النقاط أولا: أن الموضوع( موضوع السماح للفلسطينيين بالدخول من غزة الى العريش ورفح ـ لم يكن موضوعا سياسيا بل إنسانيا.
وعندما قال الرئيس مبارك: لن أسمح بتجويع أبناء غزة أبدا كان الكلام هنا هدفه الإنسان الفلسطيني الجائع والمظلوم.. لكن أن تحاول بعض الأطراف( أو الفصائل) إقحام السياسة في الموضوع فعندئذ نكون قد تركنا الإنسان لندخل في حسابات سياسية أخري هي نفسها التي ضيعت هذا الإنسان المسكين!
وثانيا: أن مصر التي دخلتموها آمنين هي في البدء والمنتهي دولة لها قوانينها وأنظمتها التي يجب على أي قادم اليها أن يحترمها.. لا أن يردد الشعارات ضدها, أو يهتف الله أكبر.. الله أكبر إننا بذلك نكون قد خرجنا عن السياق.. اليس كذلك؟
ثم ثالثا: أن رجال الأمن ـ ليس في مصر وحدها بل في كل أنحاء الدنيا ـ مهمتهم الأساسية الحفاظ على الأمن والنظام والقوانين, هذا واجبهم الذي علينا جميعا أن نحترمه لأنه يوفر لنا جميعا الأمن والأمان في حياتنا, ومن ثم لا يصح أبدا أن أهاجمهم أو أعتدي عليهم, لا باللفظ ولا بأي شيء آخر.
إن احترام رجل الأمن هو من صميم التمدين والحضارة, ومصر الحضارية المتمدينة لا يمكن أن تسمح بأن يتعرض رجال أمنها للإهانة والسباب.. فهذا لا يليق, ونعتقد أن الأشقاء الفلسطينيين في رفح والعريش هم أول من سيشكر هؤلاء الرجال على ما يبذلونه من جهد خارق للحفاظ على سلامتهم, وتوفير كل ما يحتاجون اليه وسط حالة الصخب والضجيج.
ورابعا: أن بعض الجهات ـ والتي هي معروفة لمصر جيدا ـ تحاول الاصطياد في الماء العكر, وتسعي لاستغلال ما يجري في رفح الآن للإساءة الى علاقات مصر بأبنائها الفلسطينيين, وهذا ما لن يحدث أبدا, ليس فقط للوعي الكبير الذي يتمتع به أشقاؤنا الفلسطينيون في غزة.. ولكن أيضا بسبب الحب والثقة والاحترام التي يحملها المصريون في قلوبهم لإخوتهم الفلسطينيين لسنا هنا بصدد مناشدة أو رجاء, بل هو مجرد لفت انتباه لإخوتنا في غزة: أرجوكم لاتسمحوا للقلة المتاجرة بالسياسة بإفساد ما بينكم وبين مصر من حب واعتزاز وثقة.
ويبقي خامسا أن مصر ـ القوية القادرة الواثقة جدا من نفسها ـ تعرف بالضبط أين يبدأ أمنها القومي وأين ينتهي, ويخطيء من يتصور أنها ستفرط في هذا الأمن, ولو لثانية واحدة.
وإذا كنا نحمل إخواننا الفلسطينيين في قلوبنا فإن على الجميع أن يدركوا أن السبب الأساسي وراء ما يحدث في غزة الآن هو الحصار الإسرائيلي الـظالم والمنافي لكل قواعد وقوانين حقوق الإنسان التي يتشدقون بها الآن في أوروبا وغيرها.
وبالفعل فقد أثبت الأشقاء الفلسطينيون, الذين عبروا الى رفح للتزود باحتياجاتهم, مدى وعيهم وفهمهم للدور المصري, وعندما تحدثوا جميعا الى وسائل الإعلام العربية والعالمية, وأشادوا بتوجيهات الرئيس مبارك لكل الجهات المصرية بالتعامل بكل الود والاحترام مع الفلسطينيين, وعندما أكدوا أن مبارك أنقذهم بموقفه الإنسان هذا من مجاعة محققة, فإنما كانوا يعيدون تأكيد البديهية التاريخية المعروفة للكل, وهي أن مصر لن تتركهم أبدا, وستظل الى الأبد في كفاحها المضني نحو استعادة حقوقهم المشروعة المسلوبة منهم الى أن تقوم دولتهم المستقلة على أرضهم الفلسطينية.
