أسقط أهل غزة معبر رفح بعد أن تهاوى سياسياً ونفسياً من الداخل والخارج، كانت الصور المنقولة على شاشات التلفزة كافية لنقل الانطباعات الأولى، ولم يمض وقت طويل قبل أن تفتح نساء غزة ثغرة في جدار الحصار، ليجري بعد ذلك تحطيم المعبر لتتدافع الجموع نحو الحدود المصرية.
كانت ملامح هذه المعادلة قد تبدت حتى قبل أن تنشر الصحف صوراً لأناس يتراكضون على المحلات التجارية في شوارع غزة المظلمة أو لأطفال يبكون تحت الشموع خلال مسيرات احتجاج. فتقارير الدول والمؤسسات الإنسانية كانت تتوالى محذرة من كارثة إنسانية ومطالبة برفع الحصار، وكان مسؤول شؤون حقوق الإنسان في الأمم المتحدة من الشجاعة في وصف ما يجري بجرائم حرب تستوجب محاكمة المسؤولين في إسرائيل عنها.
عملية الخنق شكلت تصاعدا دراماتيكيا في وتيرة العنف والدموية، وعلى مدى ثمانية أشهر كانت المصطلحات التي امتلأت بها الصحف ـ إغلاق معابر، قصف، قتل، اعتداءات، هجمات، عدوان، عقاب جماعي، إرهاب ـ تلخص مجريات الحرب التي تشن على القطاع وتزيد من حدة الاحتقان داخله.
الأهداف متعددة، منها ما يتعلق بتقوية حكومة أولمرت وإضعاف الخصوم ومفاقمة الاحتدام بينهم، ومنها ما يتعلق بوقف إطلاق صواريخ القسام وشن حرب استنزاف لإرهاق حركة حماس، ومنها ما يتعلق بنزوات باراك العسكرية، أما الوسيلة فهي الأسلوب المتبع من قبل إسرائيل مؤخرا والمتمثل في زيادة منسوب العقاب الجماعي وشراسته واتخاذ السكان رهائن وممارسة أعمال قصف وقتل للأطفال ومحاصرة للمرضى وتضييق على لقمة العيش ووسائل الحياة الضرورية من ماء وكهرباء.
وهذه ليست المرة الأولى التي تلجأ فيها إسرائيل إلى هذا النوع من الإرهاب الإجرامي في نظر القانون الدولي وكل المعاهدات والأعراف الإنسانية.
فقد سبق أن مارسته ضد السكان في حربها على لبنان مرتين عام 1982 و2006. وهو ما أظهر فشله في المرة الثانية في لبنان وقد يثبت فشله مجددا في غزة. فبدل أن تؤدي معاناة سكان غزة إلى تأليبهم على قادتهم زادت من تعاطف سكان العالم مع أوضاعهم، وبدل أن تشكل ضغطا على حماس لوقف هجمات صواريخ القسام على المستوطنات، اتجهت نحو زيادة الضغط على إسرائيل لتخفيف القيود المفروضة.
لكن وبما أن أوضاع لبنان تختلف عن فلسطين، فالحصار قد يكون قد رفع جزئيا إلا أن المعارك الحربية لم تنته، فوزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك ما زال يحتفظ بلهجته المتشددة، مبديا استعداده أمام المؤتمر السنوي للأمن في هرتسيليا، لضرب غزة من أجل استعادة الهدوء في البلدات الإسرائيلية التي تتعرض لإطلاق الصواريخ، ثم ان قرار رفع الحصار لم يمر في مجلس الأمن بسبب معارضة أميركا لصيغته، في حين يبدو بعض الزعماء العرب في حالة تبرير مستمر لمواقفهم الإنسانية، الأمر الذي يلقى تفهما وتضامنا من الولايات المتحدة الأميركية.
وكانت إسرائيل بعد احتجاجات دولية وشعبية في فلسطين وخارجها، وبعد دعوات متكررة من وزيرة الخارجية الأميركية لتجنب أزمة إنسانية، قد وافقت على تخفيف الحصار بالسماح بإدخال شحنة واحدة من الوقود وأخرى من الأدوية.
وكانت الصحف الإسرائيلية قد نقلت الحوار الدائر بين القادة الإسرائيليين حول مخاطر ظهور حماس كضحية لأنه سيحول دون إمكانية استخدام الحصار الكامل على غزة، الأمر الذي سيدفع بإسرائيل إلى الرد بالنيران بعد أن يكون قد لحق الأذى بصورتها في العالم. في الوقت الذي أصبح خيار اجتياح غزة وإعادة احتلالها أمرا مستبعدا حاليا بالنسبة لهم، فهل هذا يعني أن عملية خنق القطاع قد رفعت نسبيا لامتصاص الرأي العام بانتظار أن تستجد الظروف المناسبة لعملية عسكرية قد تكون أوسع نطاقا؟
والمؤسف أن تكون الأوضاع السياسية بهذه الهشاشة في هذه الأيام، فما ان تبعد أضواء الكاميرا عن غزة وتعدل أجهزة التصوير لتطال مدى أوسع للواقع الفلسطيني وربما العربي من ورائه، حتى يبهت المشهد على دوائر متباعدة من المناطق المحاصرة.
وفي حين تركز الكاميرا على غزة تقضم إسرائيل أجزاء متزايدة من أراضي الضفة الغربية، أما القادة الفلسطينيون فقد مضوا في سياسة عبثية أوصلوا أنفسهم إليها لنوازع عديدة، وهو ما تستفيد منه إسرائيل للمزيد من سياسة إخضاع الشعب الفلسطيني وتشويش قضيته العادلة وحقه في تقرير مصيره.
فهل ستستغل الأوضاع الحالية لتخفيف معاناة الشعب الفلسطيني ورفع الحصار عنه وهو الذي باتت أزمة قيادته إحدى مآسيه؟