منذ أواخر العام الماضي بدأت العلاقات الروسية العربية تشهد خطوات ملموسة وهامة في مجال التعاون الاقتصادي والاستثماري، ولا شك أن انفتاح روسيا على العالم العربى، والذى بدأ فعليا منذ تولي فلاديمير بوتين رئاسة البلاد، قد بدأ يؤتى ثماره بعد سنوات طويلة من الحوار والبحث بين موسكو والعواصم العربية.
ولعل زيارة الأمير سلطان بن عبد العزيز ولي العهد السعودي ولقاءه مع بوتين في أواخر العام الماضي انتقلت بهذا التعاون من مرحلة النوايا والتمنيات إلى مرحلة أكثر عملية .وحصول الشركة الروسية للسكك الحديدية على عقد بناء خط حديدي يربط الزبيرة بمطار الملك خالد الدولي في الرياض، يبلغ طوله 520 كلم،وتصل قيمته إلى 800 مليون دولار.
إضافة إلى تنفيذ شركة «ستروي ترانس غاز» لعقد وقعته مع شركة Saudi Aramco السعودية لمد أنبوب «شيبة- ابقيق 2»(SHBAB-2)، الذي يمتد لمسافة 217 كلم.
ويعتبر الأنبوب جزءا من مشروع توسيع الطاقة التمريرية لأنبوب نفط (شيبة - ابقيق) (SHBAB-1) وسيمتد موازيا له. مما فسح المجال لتوسيع التعاون الاقتصادي بين البلدين، وكشف عن آفاق رحبة تحقق الفائدة للجانبين.
كما وقعت شركة «Quality Energy Petro International» الإماراتية مع إدارة أقليم تشيلابينسك الروسى مذكرة نوايا بأن تقوم الشركة بإنشاء مجمع بتروكيماوي في الإقليم الروسي خلال ثلاثة أعوام ابتداء من نهاية عام 2008.
حيث سيتم تسويق منتجات المجمع المزمع إنشاؤه- والذي سيقوم بتكرير مليون طن من النفط في السنة ـ في السوق المحلية. وسوف تتملك السلطات المحلية للإقليم الروسي حصة لا تقل عن25% في المجمع، ويعتبر هذا الاتفاق في حالة تنفيذه فاتحة للتعاون بين روسيا والإمارات في مجالات الطاقة، وهو أمر هام نظرا لأن علاقات البلدين نشطة في مجالات كثيرة ما عدا مجال الطاقة .
ولابد من القول ان التنامى الملحوظ في علاقات التعاون الروسية ـ العربية وبشكل خاص مع دول الخليج العربى، لايعود فقط إلى حرص موسكو على توسيع صلات التعاون والمنفعة المتبادلة بينها وبين هذه البلدان وانما أيضا إلى مرحلة الإصلاحات التي بدأت في المملكة العربية السعودية منذ عام 2003، والتي كان من ابرز ملامحها زيارة خادم الحرمين الملك عبدالله بن عبدالعزيز إلى موسكو عندما كان وليا للعهد، والتي رسمت ملامح اطر التعاون الثنائي.
وارتبطت هذه الخطوة ببرنامج متكامل للقيادة السعودية آنذاك استهدف إصلاح النظام السياسي، والذي اعتمد على العديد من الوثائق القانونية التي صدرت منذ بداية التسعينات.
وقد كان للحوار الوطني الذي بادر به العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز في أوائل عام 2003 عندما كان وليا للعهد أكبر الأثر في إطلاق عملية الإصلاح الشاملة.والذي طرح تغيرات على محاور العلاقات الدولية للسعودية، وشكل ومحتوى اطر التعاون التي تؤسسها مع أطراف المجتمع الدولي.
ومن ابرز العوامل التي لعبت دورا في اطلاق عملية الإصلاح هو التغيرات الجذرية على سياسات المجتمع الدولي بشكل عام والإدارة الأميركية بشكل خاص عقب احداث الحادى عشر من سبتمبر، والتي بدلت خريطة التحالفات الدولية، وأسفرت عن تغيرات جذرية في أسلوب تعاطي الغرب والولايات المتحدة مع الملفات الحيوية في الساحة الدولية، وفتحت في نفس الوقت المجال لروسيا في الدخول في علاقات مع دول كانت محرمة عليها في الحقبة السوفييتية.
هذا الانفتاح في العلاقات الروسية مع دول الخليج العربية بالتحديد جعل من الضروري إيجاد صيغ أكثر فاعلية في توسيع القاعدة الاجتماعية للحكومات والقوى الحاكمة وإلى إشراك ممثلي «أهل العلم والمعرفة والاختصاص» بشكل أكثر نشاطا في عملية اتخاذ القرارات السياسية الداخلية والخارجية ليس فقط في الشرق العربي، وإنما في مختلف دول العالم.
وذلك للتعامل مع تيار العولمة وسياسات الغرب الجديدة بما يحقق لهذه البلدان مصالحها، ويحميها من المد القادر على التأثير على هويتها وكيانها التاريخي والثقافي والعقائدي في ظل اجتياح العالم لموجات إرهابية لم تكن وحدها مصدر الخطر، وإنما أضيف عليها خطر العقوبات التي تقوم واشنطن والدول الغربية بفرضها على الدول التي تعتبرها تربة لنمو قوى الإرهاب.
وكان من ابرز التغيرات التي طرأت على منظومة العلاقات الدولية السعودية أو الخليجية بشكل عام توجه حكومات دول مجلس التعاون الخليجي إلى البشرية جمعاء وعدم الاقتصار على العالم الإسلامي، والانفتاح على كل أطراف المجتمع الدولي. وهو ما رصدناه في سلسلة الزيارات الرسمية التي قامت بها القيادة السعودية لمختلف دول العالم في إطار بناء علاقات تعاون ومنفعة متبادلة مع هذه الدول.
وقد برز دور السعودية عربيا خلال السنوات الخمس الأخيرة بدءا من مؤتمر القمة العربي عام 2002 عندما طرحت السعودية مشروعها لتسوية أزمة الشرق الأوسط والمسماة بالمبادرة العربية، وقد لاقت هذه المبادرة تأييدا عربيا واسعا، وترحيبا من جانب موسكو، كما صادق عليها المجتمع الدولي كوثيقة أساسية من وثائق تسوية الأزمة الشرق اوسطية،
وتتابعت جهود الرياض بدءا من مساعيها لرأب الصدع الفلسطيني .. مرورا بتسوية الأزمة اللبنانية، وترافق هذا مع سلسلة من الإصلاحات الداخلية والتي لم يقتصر تأثيرها على تعزيز نفوذ آل سعود الحاكمة فحسب بل ودعم مواقع السعودية على المستوى الإقليمي والدولي، وكان لابد أن تتقارب المواقف السياسية في القضايا الخارجية بين موسكو والرياض نتيجة لانفتاح البلدين على بعضهما سياسيا في ظل التخوفات من جهات أخرى تسعى لفرض إرادتها وهيمنتها على العالم .
وإذا كانت هذه الانجازات تتمتع بأهمية حيوية في استقرار المنطقة، وتطوير أدائها السياسي والاقتصادي، إلا أنها تتطلب في نفس الوقت خطوات جادة في الانفتاح على كل أطراف المجتمع الدولي، ومما لاشك فيه أن توسيع التعاون الاقتصادي والاستثماري يشكل حجر الزاوية في هذا الانفتاح، ليس فقط لأنه يحقق عائدات، وإنما أيضا لأنه يربط قطاعا اجتماعيا في مجتمعات الدول المتعاونة بعلاقات التعاون المذكورة.
ويفتح قناة مهمة للتوصل على المستوى الشعبي والثقافي لا تعتمد فقط الرغبة في المعرفة كدافع للتواصل، وانما تستند للاحتياج المادي والمنفعة المتبادلة، ما يجعل التواصل أمرا حيويا ومثمرا، ولهذا شهدنا العديد من الفعاليات الثقافية والاجتماعية المشتركة بين السعودية وروسيا.
وشاهدنا دارسين ومبعوثين حكوميين سعوديين في معاهد وجامعات روسيا، وهي أمور لم نكن حتى نتوقعها منذ عقدين من الزمان، كما شهدنا أكثر من خمسة وعشرين ألف حاج روسي تستقبلهم المملكة كل عام، وتستمر عجلة التطور للأمام مدفوعة بالانفتاح الكبير في سياسة كلا البلدين بعيدا عن عقبات التحالفات السياسية وعوائق الأيديولوجيات القديمة.
مركز دراسات الطاقة ــ روسيا