بالزغاريد والتكبير والترحيب ودموع الفرح، استقبل الشعب المصري الذي تواصلت مظاهراته الغاضبة واعتصاماته الداعية إلى رفض العدوان الإسرائيلي وكسر الحصار وفتح المعابر مئات الآلاف من أشقائه الفلسطينيين القادمين «أرض كنعان» الفلسطينية إلى «أرض الفيروز المصرية».
ومن «غزة» المحاصرة من الاحتلال الصهيوني إلى سيناء المحررة من الاحتلال الصهيوني، ومن «رفح» الفلسطينية العربية إلى «رفح» المصرية العربية، شعوراً منهم بأن المحنة العربية واحدة والجرح العربي واحد والشعب العربي واحد والعدو الصهيوني واحد، مهما كان من قيود السياسة وأسوار الحدود.
بعد أن دفعت الضرورات الإنسانية إلى تجاوز المحظورات السياسية، وبعد أن بادرت القيادة المصرية عبر الاتصالات الدبلوماسية إلى تحذير سلطات الاحتلال الصهيونية ـ دون جدوى ـ بضرورة إنهاء الحصار الذي يخالف القوانين الدولية الإنسانية فورا وإلا قد تضطر إلى فتح معبر رفح للأشقاء الفلسطينيين المحاصرين لمنع وقوع كارثة إنسانية تسببت فيها الإجراءات الإسرائيلية وسيتحمل إثمها الجميع وسيدفع أثمانها الجميع.
وقد تنذر بطوفان من الغضب الشعبي المصري والعربي والإسلامي لن يمكن السيطرة عليه من أي أحد.. لكن الذي انطلق بعد فتح المعابر واختراق الحدود هو طوفان الفرح العربي والغضب العبري بالطوفان الشعبي الفلسطيني.
وحيث إنه ما كان يمكن لإنسان أي إنسان أن يتحمل ضميره ـ إن كان عنده ضميرـ أو بأن يتحمل مسؤولية أن يتحول إلى مجرم حرب بالمشاركة أو بالسماح بقتل إنسان، فما بالك بأن يتوقع من عربي أي عربي، أو من مسلم أي مسلم، رسمي أو شعبي مهما كان الثمن أن يسمح لنفسه أو لغيره بالمشاركة مع أعدائه في قتل مليون ونصف إنسان من أشقائه في جريمة إبادة جماعية لابد أن يقدم مرتكبها إلى محكمة حرب دولية لانتهاكه للقانون الدولي الإنساني.
من هنا فإن ما حدث من اختراق للجدار العازل بين رفح المصرية ورفح الفلسطينية وتفهم السلطات المصرية بأن حد الضرورات الإنسانية قد وصل إلى منتهاه، وأن تجاوز المحظورات السياسية قد أصبح جبريا وإنسانيا بل وشرعيا أيضا لمنع وقوع جريمة حرب نازية صهيونية، بدا هو الشيء الطبيعي الذي لابد أن يحدث طوعيا أو جبريا، لأن الضرورات تبيح المحظورات، ولأن الضرورة في رأى العلماء المسلمين تعنى «هي أو الموت».
خصوصاً بعد المظاهرة النسائية الفلسطينية أمام معبر رفح المغلق طلبا لحقوق الإنسان الفلسطيني في الحياة، وبعدما أكد مقرر شؤون حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية التابعة للأمم المتحدة بأن إسرائيل تقوم بتنفيذ عقاب جماعي وعدم التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنية في غاراتها على قطاع غزة الأسبوع الماضي، واعتبر أن » المسؤولين عن تلك الأعمال جبناء ويتحملون وزر جرائم حرب خطيرة وينبغي ملاحقتهم ومعاقبتهم».
خصوصا في ظل الإجرام الجنوني والغباء السياسي الصهيوني، وفى ظل تردد السلطة الوطنية الفلسطينية عن المسارعة إلى الحوار مع أشقائهم في الحكومة الوطنية الفلسطينية «المقالة» والتي تمثل جزءا من الشرعية الديمقراطية بالانتخابات الشعبية، سواء قبل الأميركان والصهاينة من أدعياء الديمقراطية والأوروبيون من أدعياء حقوق الإنسان أم أبوا.
وذلك بمشاركة جميع الفصائل الوطنية وتحت المظلة العربية لاستعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية التي هي الجدار الحقيقي العازل للاعتداءات الإسرائيلية وللألاعيب الأميركية، وفى الإطار لاستلام المعابر وحل الأزمة الإنسانية والسياسية والقانونية في قطاع غزة في الطريق لإقامة الدولة الوطنية الفلسطينية.
ومن هنا أيضا جاءت تصريحات الرئيس المصري حسنى مبارك وإصدار أوامره للسلطات المصرية بالسماح للأشقاء القادمين من فلسطين أرض العرب «الكنعانيين» بالدخول إلى مصر درع الحماية والأمن عبر التاريخ كله للعرب مسلمين ومسيحيين، وأوامره لقوات «الأمن» المصرية بعدم التعرض بأي شكل من أشكال المنع بالقوة والحفاظ على أمن الفلسطينيين كما هو دورهم في الحفاظ على أمن المصريين والسماح لهم بدخول مصر آمنين طالما كانوا مسالمين.