أثبتت كارثة الحصار الإسرائيلي على غزة، وما تلاه من مواقف وردود أفعال عربية على المستويين الرسمي والشعبي، أهمية تغيير أساليب التحرك والانتقال من دائرة رد الفعل إلى ساحة الفعل، واستباق الحدث واستشراف المتغيرات والسياسات في المستقبل القريب.

وفي نهاية المطاف، وتأسيساً على ذلك التغيير المرتقب، تأتي ضرورة إحداث تحولات في خطابنا السياسي رسمياً وشعبياً، بحيث لا تكون مفردات التنديد والإدانة والرطانة الإنشائية هي الركيزة لأنه كما هو مجرب في العقود الماضية، لم تطعم بيانات الإدانة وتظاهرات الشجب والتخوين محاصراً ولم تفك قيد أسير، ولم تحرر شبرا من الأرض المحتلة، بل تحولت أحيانا كثيرة إلى مجرد إبراء للذمة من دون تحمل أي عبء واقعي، وفي أحيان أخرى أصبحت بديلا مذموما للعمل الفاعل الذي يقدم حلا ولو جزئيا لمن ينتظر العون.

ومن الواضح أن الدعوة للتحرك الجاد، لا تعني إلغاء أساليب التحرك الشعبي بالتظاهر، أو بيانات الإدانة الرسمية، لكن على ألا تكون هي نهاية المطاف، لأنها ستصبح في هذه الحالة مجرد طقس احتفالي، استعراضي، إن لم يتبعه منظومة كاملة من التحرك لتوفير كل أساليب الدعم والإغاثة للمحاصرين.

والحاصل أن الثغرة التي فتحتها مصر في جدار حصار غزة، قدمت بادرة إيجابية، أنقذت أكثر من مليون ونصف المليون فلسطيني، وفتحت أمامهم نافذة الأمل، وجسدت موقفاً يجب أن يكون كاستجابة عربية، تتخطى المحظورات الخارجية، وتلقي الضوء من جديد على وحدة مكونات الأمن القومي العربي، الذي يجعل أمن مصر عند أقصى المشرق والشمال العربي، وأمن الخليج في عمق المغرب، لأن العدو واحد والخطر واحد.

وتبقى أزمة رفح وحصار غزة مثالاً، لكيفية التعاطي معه، رغم كثير من السلبيات التي رافقت هذه الخطوة، بفعل معاناة المحاصرين من جهة، ومن يستثمرون كل أزمة من جهة أخرى، إضافة إلى الهواجس الأمنية الحقيقية وعبء الالتزامات الدولية، المتمثلة في اتفاق المعابر الموقع بين السلطة الوطنية الفلسطينية وإسرائيل برعاية أميركية.

على أن هذه البادرة المصرية بفتح معبر رفح، لن تكتمل إلا بموقف عربي جماعي، يجب أن يكون على طاولة وزراء الخارجية العرب غدا في اجتماعهم بمقر الأمانة العامة للجامعة العربية، فليس من المعقول، أن نظل نحن العرب نكرر إدانة إسرائيل، كلما قطعت التيار الكهربائي عن الأراضي الفلسطينية، ونحن قادرون على تزويدها بكل ما تحتاجه من وقود وكهرباء.

وليس مقبولا أن نندد بجرائم إسرائيل ونحن عاجزون عن طي صفحة الاقتتال بين الفصائل الفلسطينية، وليس معقولا أن ندين كل من يصمت على جرائم إسرائيل في مجلس الأمن، ونصمت على انتقال توابع الاقتتال الداخلي الفلسطيني إلى مجلس الأمن، ومطالبة فصيل بإدراج شقيقه على لائحة الإرهاب، وكأنه يقدم خدمة مجانية للعدو، وغافل عن كونه الضحية التالية، وسيقتل كما قتل الثور الأبيض.

في هذا الإطار، تكتسب الدعوة لتفعيل المصالحة الفلسطينية أهمية قصوى، وان يتحمل العرب المسؤولية في انجازها، كمقدمة وخطوة أولى على طريق الانتقال إلى دائرة الفعل الجاد. على أن يتلوها برنامج عربي شامل، وفق آليات محددة وعملية لتوفير كل الاحتياجات الضرورية لقطاع غزة عبر مصر.