لا جدال على أن ثمة أزمة ثقة تعيشها إسرائيل، هذه الأزمة تدفعها نحو افتعال المشاكل مما لا شيء وفي أي اتجاه ومع كل من يمشي عكس تيارها وتوجهاتها، ولا تنفك توحي لحلفائها الذين يتبنون أطروحاتها ويشاركونها هواجسها والذين في ذات الوقت يطالبونها بإبداء شيء من المرونة في مسار العملية التفاوضية، بأنها ليست في وضع يساعد على الانخراط في عمليات تسوية بسبب ما تسميه الإرهاب والإرهابيين، وأن الفلسطينيين غير جاهزين من الناحية الأمنية نحو الوصول إلى اتفاق نهائي.

وواضح أن هذه الأزمة بالدرجة الأولى هي أمنية، نشأت على ضوء الوهم بأن جيران إسرائيل من العرب والعجم يتربصون بها، وهذا الإحساس مرده طبعًا إلى ممارساتها العدوانية ضد الفلسطينيين اليومية، فتنظر إلى نفسها بعين طبعها.

وأمس أعلنت إسرائيل أنها ستقطع ما تصفه بـ(صلاتها) بقطاع غزة وكأن العلاقة مع القطاع قائمة على الوئام والسلام والاستقرار والصداقة.

دون تنغيص منها لحياة الشعب الفلسطيني الذي توعدته باستمرار خناقها عليه، مُلقية بالكرة في الملعب المصري في أن تقوم السلطات المصرية بشكل كامل بتولي المسؤولية الأمنية، فضلاً عن الإشراف عليه من النواحي الصحية والاجتماعية الاقتصادية والسياسية، أي بمعنى آخر يمكن قراءة هذا الأمر على أن هناك نية مبيتة تجاه القطاع بفصله عن الضفة الغربية وإلحاقه بمصر لتتحمل تبعات ما يصدر عنه من أي محاولة من جانب أهل القطاع في ممارسة حقهم الدفاعي ومقاومة الاحتلال التي كفلتها لهم الشرائع والقوانين الدولية.

وهذه الأطروحة الإسرائيلية قابلتها السلطة الوطنية الفلسطينية بالرفض، مطالبة بالسيطرة على كل المعابر في قطاع غزة، وكذلك القاهرة لم يعجبها هذا الطرح وهو ما دعا الرئيس المصري حسني مبارك إلى مطالبة الفلسطينيين بعدم زج بلاده في خلافاتهم وافتعال أزمات مع الأمن المصري والعمل على وضع معاناة شعبهم فوق كل اعتبار.

على الجانب الآخر ترى إسرائيل في البرنامج النووي الإيراني خطرًا يتهددها داعية على لسان رعنان غيسين المستشار الإعلامي لرئيس الوزراء السابق أرييل شارون، الدول العربية إلى التصدي لإيران ومنعها من مواصلة برنامجها.

بالمحصلة نجد أن إسرائيل لا همَّ لها سوى توظيف كل العرب وغير العرب شرطيا يحفظ أمنها فقط، أما أي حديث عن إعطاء الفلسطينيين حقوقهم ولو جزءًا منها ليس ضمن أجندتها السياسية، وما نراه اليوم من اجتماعات بين الفلسطينيين والإسرائيليين لا يعدو، عن كونه ذرًّا للرماد في العيون ليس إلا، وما يتظاهرون به من حرص على التوصل إلى اتفاق سلام نهائي لا يشغل حيزًا من تفكيرهم إلا بما يؤدي إلى اختلاق الذرائع الواهية لتعطيل أي مسار تفاوضي.

لكن الأهم من كل ذلك هو أن الجانب الفلسطيني بات يتحمل مسؤولية الجزء الأكبر من هذه الأحداث الجارية، وذلك بإعطاء إسرائيل المسوغات التي تقودها إلى ارتكاب حماقات ضدهم، من خلال التناحر وحالة الشقاق التي وصلوا إليها، والتي أدت أيضًا إلى إحراج الموقف العربي.

كما هو حاصل بشأن الملف النووي الإيراني والموقف الدولي منه. غير أن ذلك لا يعفي إسرائيل من مسؤولياتها الأخلاقية تجاه ما ترتكبه من جرائم بحق الشعب الفلسطيني، فعليها أن تدرك تمامًا أن المقاومة تولد من رحم الاحتلال، وطالما وجد احتلال وجدت مقاومة، وأن حق الأرض لا يسقط بالتقادم، والضامن الوحيد لأمن الجميع هو إعطاء كل ذي حق حقه، وعليها أن توقن أن أي عبث بالحقوق أو مصادرتها لا بد أن يورث مقاومة.