لا شك أن الموقف الرسمي المصري تجاه الأحداث الأخيرة في غزة وقرار القيادة المصرية بعدم التعرض للمواطنين الفلسطينيين الذين "توغلوا" في العريش ورفح لشراء الغذاء والدواء، موقف نبيل يعكس تفهم القيادة المصرية لمعاناة أبناء غزة والظروف التي دفعتهم لفتح معابر حدودية بالقوة، بعد أن عانوا ما عانوه من ويلات الحصار والجوع والقتل اليومي على مدى شهور طويلة.
لكن هذا الموقف يحتاج تحركا عربيا فوريا لتأييد القيادة المصرية ودعمها، ليس فقط لتستمر في عدم اعتراض المواطنين الفلسطينيين القادمين للتبضع والعودة، بل لتحويل هذا الفتح "الإلزامي" المؤقت للمعابر إلى فتح رسمي دائم لإنهاء الحصار المفروض على أبناء القطاع منذ شهور طويلة.
لكن هذا التوجه يجب ألا يغفل سعي الكيان الصهيوني لتعزيز فصل غزة عن باقي الأراضي الفلسطينية، وهو أمر يحاول القادة الإسرائيليون تحقيقه منذ الانسحاب الأحادي الجانب الذي قام به شارون من غزة، ويهدف إلى ضرب مشروع الدولة الفلسطينية بشكل نهائي وإقامة جيوب فلسطينية معزولة غير قابلة للحياة والاستمرار بدون الشريان الإسرائيلي.
إن واقع الحال العربي يبين أن الخطوة الأولى لتحقيق أي انفراج فلسطيني- فلسطيني يجب أن تكون باتجاه تجاوز الدول العربية المؤثرة لخلافاتها وتوحيد كلمتها لمواجهة هذا التحدي المصيري الذي يفرض نفسه على الساحة العربية بقوة. صحيح أن الحل يجب أن يكون فلسطينيا بالدرجة الأولى.
وقبول كل طرف فلسطيني للجلوس مع الطرف الآخر للخروج من هذه الأزمة، لكن الدول العربية تستطيع أن تلعب دورا أساسيا وجوهريا في الوصول إلى هذا إذا توفرت النوايا الصادقة والمخلصة وتحملت القيادات العربية مسؤولياتها التاريخية بعيدا عن صدى الشعارات والطموحات الضيقة والشخصية.
إن إقامة جسور عريبة - عربية قد تستلزم تراجعات وتنازلات سياسية من قيادات هذه الدولة أو تلك، لكنها تنازلات سيكتب التاريخ أنها كانت لأهداف سامية، فالتاريخ لن يرحم الاختباء وراء الخلافات الضيقة لتفادي تحمل المسؤوليات المصيرية التي تفرضها الظروف الحالية على القيادات العربية.
إن بإمكان الدول العربية الضغط باتجاه إعادة لم الشمل الفلسطيني، ربما من خلال إعادة هيكلة الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، منظمة التحرير الفلسطينية، بما يعكس الواقع الحالي وتفعيل دورها بما يخدم المصلحة الفلسطينية العليا ويحافظ على الثوابت الأساسية.
لقد أثبتت التجربة أن انتظار المجتمع الدولي لفرض حل على إسرائيل لا طائل منه.
فمجلس الأمن الدولي استغرق أياما طويلة في مداولات عقيمة دون التوصل للاتفاق حتى على بيان رئاسي غير ملزم يدين الممارسات الإسرائيلية ويطالبها بفك الحصار عن قطاع غزة.
ثم إن إسرائيل لم تلتزم بالقرارات الدولية السابقة إلا بما يخدم مصالحها، ولم تلق إلا الدعم والتأييد من حليفها الأمريكي. إن الحل في فلسطين ولبنان والعراق والسودان يجب أن يكون عربيا بامتياز، ولن يكون بوسع المجتمع الدولي إلا تأييد مثل هذا الحل إذا تبين أن مصالحه تتوقف على هذا التأييد.
فالسياسة الدولية هي سياسة مصالح بالدرجة الأولى، أما الشعارات فيمكن إعادة صياغتها بما يخدم الاستهلاك المحلي في أي مرحلة من المراحل. إن كسر جدار الصمت حول غزة مسؤولية عربية بالدرجة الأولى، فطوبى لمن يفتح الثغرة الأولى.
