كشف الوضع الإنساني المأساوي الذي تمر به غزة عن الحال الذي وصل إليه العرب اليوم من عجز وتفكك لم يعرفوه في تاريخهم وترك هذا الوضع كل عربي يتحسر وهو يشاهد صور أطفال ونساء وشيوخ يتضرعون جوعا في الظلام كما يستمع إلى صرخات الأطفال المرضى في المستشفيات وهم ينتظرون جرعة دواء تخفف عنهم آلامهم، ونتحسر، كعرب أكثر، على وضعنا عندما نجد أنفسنا عاجزين عن تقديم يد المساعدة اللهم التنديد بالاحتلال الإسرائيلي ورفع اللافتات في الشوارع كأضعف الإيمان.

ألم يكن من اللازم أن تعقد قمة عربية طارئة تفكر في إجراءات فك الحصار وإرغام إسرائيل على وقف عملياتها العسكرية بدل أن تطالب الدول العربية بعقد جلسة لمجلس الأمن وهي تعلم بمقدرة إسرائيل على ممارسة ضغوطها على الأعضاء الدائمين لتغيير صيغة القرار الدولي؟ وتعرف أكثر بلامبالاة إسرائيل بالقرارات الدولية لأنها ببساطة دولة فوق الدول وسبق لها ان رمت بهذه القرارات على وجوه العرب.

إسرائيل أكثر دولة تفهم عقلية المسؤولين العرب الذين يتحركون ويسارعون للاجتماع والتنديد كلما أحسوا بغليان الشارع العربي ولكنهم يفقدون حماسهم بمجرد مرور الأزمة، ونكاد نجزم انه لولا حركة التنديدات والمظاهرات التي عرفتها بعض العواصم العربية لما طالب المسؤولون العرب مجلس الأمن بالانعقاد، فالقضية الفلسطينية في تصورهم أصبحت قضية مستهلكة ولم يعد ينظر إليها كقضية قومية عربية كما كان الحال عليه في الخمسينات والستينات بل تحولت اليوم إلى شأن فلسطيني داخلي لا دخل للدول العربية فيه.

وللحقيقة فإن العرب قد أداروا ظهرهم لقضية فلسطين عندما وقعوا فرادا على اتفاقات مع إسرائيل وابقوا السلطة الفلسطينية وحدها تصارع بلا مظلة ولا دعم وهو ما ترك إسرائيل تعبث بالشارع الفلسطيني إلى حد راحت هذه إسرائيل تحاصر شعب غزة بقطع الكهرباء والدواء بحجة الضغط على حماس لإيقاف إطلاق صواريخها على المدن الإسرائيلية، وهي حجة محيرة لم تنص عليها لا الأعراف ولا القوانين الدولية الإنسانية التي تطالب المحتل بحماية المدنيين بل تطالبه بمد السكان بوسائل الحياة الضرورية.

وحده الشعب الفلسطيني يدفع الثمن لا الدول العربية ولا قادة تنظيماته السياسية، فهذه فتح غارقة حد رأسها في مباحثات مع إسرائيل بحثا عن سلام مزعوم أوهمتها به الولايات المتحدة الأميركية وراح قادتها إلى أنابوليس وسعداء بأخذ صور تذكارية إلى صف الرئيس الأميركي.. وفاجأتهم إسرائيل، كعادتها، في مثل هذه المواقف بإعلانها عن مشروع بناء الآلاف من المستوطنات وختمت مشاريعها باجتياح مدن غزة ثانية.

أما هذه حماس، فهي الأخرى، ساهرة على حماية المؤسسات والوزارات التي استولت عليها بعد أن فقدت مصداقيتها الشعبية والعربية عندما مارست السياسة والسلطة وأراد أعضاؤها أن ينعموا بالمهمات إلى الخارج ومقابلة رؤساء الدول والنزول في الفنادق ذات الخمسة نجوم.

حماس وفتح فقدا شرعيتهما أمام عجزهما عن حل خلافاتهما التي أوقعت العشرات من القتلى بل إنهما ساهما في تأزيم الوضع بإعطاء إسرائيل فرصة للعبث بالأرض الفلسطينية أكثر لقناعة هذه الأخيرة بأن الفلسطينيين بلا قيادة فعلية وبأن العرب وصلوا إلى مرحلة اليأس وأصيبوا بالشلل السياسي، أما جامعتهم المصونة فهي مجرد مكتب للاجتماعات لشرب الشاي وتبادل النكت السياسية.

لقد تمكنت إسرائيل من تكبيل يد الفلسطينيين عندما وافقوا على الجلوس إلى طاولة المفاوضات والقبول بمسار ما يسمى بالسلام وبإيقاف الانتفاضة التي كانت الورقة السياسية الوحيدة، فقد كان من المناسب أن تحتضن التنظيمات الفلسطينية الانتفاضة وتحولها كورقة ضغط على إسرائيل للاستجابة للمطالب المشروعة لا أن توافق على وأدها وتدخل المفاوضات مجردة من أي أوراق.

ونحسب أن المفاوضات التي يقال انها تتناول مواضيع الوضع النهائي سوف تستمر لعشريات أخرى إلى أن تنتهي إسرائيل من تنفيذ مشاريعها التوسعية والاستيطانية وإيجاد قيادة فلسطينية ترتدي الطاقية اليهودية عندها وعندها فقط سوف نسمع عن ميلاد دولة فلسطين..ولكن دولة تابعة بلا روح.

كاتب ومحلل سياسي جزائري

Khiredine1@yahoo.fr