لا يثير الموقف الرسمي العربي تجاه ما يحدث في غزة الآن أي غرابة أو اندهاش، فقد تعودنا على ذلك تجاه كل الممارسات الإجرامية الإسرائيلية. فالموقف الرسمي العربي يتيح بعض الوقت لإسرائيل حيث يتلقي الأوامر بطبيعة ومدى هذا الوقت، حتى تقوم إسرائيل بما تقوم به تجاه الفلسطينيين أو العرب عموما، ثم تبدأ عمليات الشجب والإدانة بعد ذلك. لا أكثر ولا أقل، في كل مرة شجب وإدانة ودعوة لانعقاد مجلس الأمن.

هذه المرة سمعنا عن انعقاد مجلس حقوق الإنسان في جنيف، ولا أعلم لماذا؟ وهل تؤثر أي إدانة لما تقوم به إسرائيل عليها؟ وهل يمكن أن تغير من نهجها، أم أن الأمر برمته تمثيلية سخيفة وحقيرة تمارسها الأسرة الدولية تحت مسميات الخطاب العولمي الإنساني الجديد؟

لا يستدعي الأمر أي شجب وإدانة، فقد تعدي ما يحدث ذلك الشجب وتلك الإدانة، فالفلسطينيون يذبحون وتتم تصفيتهم بشكل يومي ومنتظم. إن منهج حياة اليهود اليومي الآن لا يستمر من دون قتل الفلسطينيين وذبحهم على مرأى ومسمع من هذا العالم المتخلف الذي يتظاهر بالتحضر والإنسانية، والذي لا يقبل سوى بالأقوياء الشرسين الدمويين. فاليهود الصهاينة لا تزدهر دولتهم ولا تعلو أسهمهم إلا على جثث الفلسطينيين وعلى أشلاء الكرامة العربية المستباحة.

وبينما ينشغل العرب والعالم بدولة صغيرة مثل لبنان نجده يتجاهل تماما تلك الحالة الإجرامية من القتل المنظم ضد شعب أعزل لا يمتلك إلا تلك الصواريخ التي لا تسمن ولا تغني من جوع، والتي يرى فيها السيد سلام فياض، رئيس وزراء ما يسمى بالسلطة الفلسطينية، سبب الكوارث.

وبينما تركز عيون السيد فياض على صواريخ المقاومة، فإنه لا يرى القتل الإسرائيلي اليومي، وربما لا يشعر به. ولا يعلم السيد فياض أنه حتى لو كانت صواريخ المقاومة ورودا تسقط على إسرائيل فإن الفلسطينيين سوف يذبحون ويقتلون، وأنه لن يحسم ذلك الصراع الأبدي والدائم سوى المقاومة والمقاومة والمقاومة.

لا ينشغل الموقف الرسمي العربي الآن، إلا بتلك القضايا الحساسة البالغة الخطورة، من وجهة نظره، مثل القضية اللبنانية وتأمين الجنوب اللبناني ونزع سلاح حزب الله من أجل عيون إسرائيل. ففي خضم مذابح الفلسطينيين اليومية لا يتحرك عمرو موسى، الذي تم تدجينه في الآونة الأخيرة، إلا من أجل عيون لبنان، ومن أجل عيون الموالاة، ومن أجل حماية ما يسمى بالمدنيين الإسرائيليين، وهل هناك في إسرائيل مدنيون حتى يمكن الدفاع عنهم، أو الحديث باسمهم؟

لن يحدث شيء أكثر مما يحدث الآن. وهل يوجد ما هو أسوأ مما يحدث حتى يتحرك الموقف العربي الرسمي؟ وماذا يمكن أن يحدث أكثر من ذلك؟ فالعراق محتل، والسودان ممزق، ولبنان موسوم بالتواطؤ والادعاءات المغرضة والنوايا السيئة والتدخلات العفنة. هل أصبح الوضع العربي الرسمي قادراً على حمل كل هذه التركة المخيبة للآمال؟

وهل أصبح هم كل دولة الانفلات بنفسها مما يحدث، متصورة أن ما يحدث بمنأى عن حدودها وسيادتها؟ إن ما تقوم به إسرائيل الآن لا يتعلق بالفلسطينيين وحدهم. بل إن ما يحدث لا يمس كرامة الفلسطينيين في قليل أو كثير. فالعزة أوالكرامة رمزها فلسطين. وهؤلاء الشهداء الذين يواجهون الصواريخ الأميركية الإسرائيلية وهم شبه عزل إلا من سلاح هزيل لا يسمن ولا يغني من جوع هم عنوان الكرامة والصمود، والحالة التي لا تريدها أميركا وإسرائيل لأي من دول المنطقة.

لا يستطيع أحد أن يجادل في عزة وكرامة الزهار الذي فقد الابن بعد الآخر. ولا يستطيع أحد أن يجادل في بطولة حسن نصر الله الذي تجاهر إسرائيل بقتله وتصفيته، ولا يستطيع أن يتحرك إلا وهو يتوقع الموت في كل لحظة، بينما يتحرك البعض بملء حريته، ويملأ ساحات الإعلام بأحاديث صاخبة فارغة. صحيح أن كلمات مثل الكرامة والحرية والمقاومة خلت من قواميس الحياة العربية المعاصرة.

كلمات أصبحت ممجوجة لا يحب الكثيرون استخدامها أو التعاطي معها، حيث امتلأت القواميس العربية الحديثة بالحياد والسلم والعقلانية ورفض الجعجعة والحوار الهادف البناء والتواصل مع الآخر الأميركي الإسرائيلي. من العبث أن يرفض الموقف العربي الرسمي الآن كل من يتطاول على إسرائيل أو أميركا.

من الممكن أن يفهم المرء رغبة إسرائيل وأميركا في قتل وإسكات كل من تسول له نفسه المقاومة أو الهجوم أو التطاول عليهما، لكن من العبث أن يشارك الموقف العربي الرسمي في مثل هذه المهزلة المريبة والمخالفة لكل الأعراف والأصول والأخلاق العربية والإسلامية.

ولماذا نتحدث عن العروبة والإسلام الآن في ظل ذلك الخبل العربي، وتلك الكتابات الممجوجة المغرضة والسفيهة التي تتطاول على كل ما هو عروبي وإسلامي في الوقت نفسه. حتى ذلك الإحساس العربي الإسلامي لما يجري في غزة أصبح شيئا مستهجنا، حتى ذلك التعاطف الضعيف تجاه الفلسطينيين أصبح غير مرغوب فيه ومدان. فكل من تسول له نفسه الحديث عما يحدث في غزة قاتل ومغرض ومأجور.

هنا تحدث أكثر مهازل التاريخ العربي المعاصر حيث تضييق الحصار على الجار القريب على الأخ الفلسطيني المجاور. هل يجب أن نذكر مصر بدورها المفروض في هذه المرحلة الحاسمة من التاريخ، وهل من الضروري أن نذكر الدول التي تدعي التأثير في المنطقة بالتعاطي مع تلك المذابح بفاعلية أكثر من الشجب أو الإدانة. إن هذا الحصار وهذا القتل المتواصل لا ينطبق عليه أضعف الإيمان.

مطلوب فعل عربي رسمي حقيقي، وتحرك شعبي واسع النطاق، يتجاوز مجالس حقوق الإنسان الأوروبية المتواطئة، ناهيك عن المؤسسات الدولية العفنة، ومجلس الأمن الوكيل الأميركي في العالم.

مطلوب من عمرو موسى أن يوزع وقته بين الملف اللبناني والملف الفلسطيني. فعمرو موسى الذي عهدناه دائما محايدا في تحركاته، يجب أن يتحرر من سطوة الملف اللبناني، وأن يباشر الملف الفلسطيني الجاثم على الكرامة العربية بدرجة غير مسبوقة وبشكل فاق كل المجازر الإسرائيلية التي لن ينساها التاريخ العربي المعاصر.

كاتب مصري

salehabdelazim@hotmail.com