«أوبك» هو اسم النادي النفطي الذي يقبع على أضخم الصهاريج الطبيعية لزيت الوقود، فهو ينتج حوالي ثلث الإنتاج العالمي للنفط سنويا، ولكن أكثر من 90% من هذا الإنتاج لا تستهلكه (أوبك) بل يأخذ طريقه مباشرة من صهاريجه الطبيعية إلى قمقم آخر في العالم المتقدم الذي يستهلك وحده 65 % تقريبا من الإنتاج العالمي للنفط.

في الواقع، من هناك تبدأ دورة حياة النفط بعدما يخرج من رحم الأرض، في رحلة شاقة وطويلة يتحول فيها من مجرد زيت ثقيل لا يكاد يتحرك، إلى أشكال من الوقود أو الطاقة التي تحمل الطائرات في السماء وتدفع السفن في البحار وتحرك على الأرض كل تروس الآلة الصناعية، لتتدفق من تلك الآلة سيول المنتجات والسلع والمواد التي لا تلبث أن تلتهم كل الثمن الذي قبضه نادي النفط عوضا عن كل نفوطه، في صفقة تجارية تتأرجح كفّتها بشكل صارخ لصالح النادي الصناعي، بل ربما ذهب الأمر إلى ما هو أسوأ من ذلك.

فلا يكفي أن يعود ثمن السائل النبيل أدراجه من حيث جاء، ولكنه يعود حاملا معه من أوزار الديون والقروض غير الحسنة أضعافا مضاعفة لاقتناء أشياء يفنيها الزمن، في الوقت الذي تبقى فيه تلك الديون أغلالا في رقاب الشعوب يعجز حتى الزمن عن إفنائها.

ومع كل أكوام العوائد التي قبضها هذا النادي الذي يضم في عضويته أكبر الدول المنتجة للنفط ثمنا للروح التي تسري في شرايين مدنية اليوم، إلا أن انتماءه ما يزال يعود إلى العالم الثالث أو العالم غير المتقدم أو العالم المتخلف، خمسون سنة أو تزيد انقضت منذ اكتشاف النفط في هذه الدول.

ولم تتمكن دولة نفطية واحدة منها من الوصول إلى مستوى أفقر دولة من دول النادي الصناعي لا في التنمية الاجتماعية ولا في المستوى الاقتصادي ولا في التقدم العلمي والتقني ولا حتى في المستوى الثقافي والفني، لا يوجد حتى الآن أكثر من محاولات تشبه الزحف السلحفائي وهذه القشرة الخادعة من مظاهر الحياة الاستهلاكية، خمسون سنة ولا جديد يطرأ على دول النفط بخلاف الأوراق الخضراء التي تجيء خِماصا وتعود بِطانا من حيث أتت، كثير من مظاهر المدنية في الأبنية والطرقات ورفوف الاستهلاك، وأقل القليل من المعرفة والإنتاج والتقدم، وباختصار.. من الإنسان.

هذا الوضع يعكس حالة فاضحة من عدم التوازن في العلاقة بين المنتج والمستهلك أو بين البائع والمشتري، فهذا الميزان لم يقترف العدالة لحظة واحدة منذ جرى وضعه، بل كان ميالا دائما وعلى غير المعتاد للانحياز لصالح المستهلك أو المشتري، دون أن يملك البائع أو المنتج أن يحرك ساكنا؛ ومع ذلك فإن هذه التراجيديا المضحكة لا تتوقف عند هذا الحد بل تذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، فعندما يصل فُتات أموال النفط إلى خزائن دول النادي فإنها تبصر كل النوافذ المُشرعة أمامها لتجد طريقها إليها، إلا نافذة المعرفة فلا يتجه إليها إلا سُقط المتاع.

وإذا بقي هذا الحال على ما هو عليه، فإن القيمة الحقيقية للأصول والموجودات التي دُفع دم النفط ثمنا لها لن يعادل يوم تشفط آخر قطرة من النفط عُشر معشار قيمتها الشرائية، وستكون دول النفط بذلك قد ارتكبت خطأ استراتيجيا ستعض أصابعها ندما عليه ربما لما بقي من التاريخ من زمن.

كم بقي الآن من الزمن الذي يفصلنا عن موعد نضوب النفط؟ وفقا لتوقعات خبراء النفط فإنه باق متسع جيد من الزمن يربو على خمسين سنة، ولايزال حجم الطلب العالمي على الطاقة ـ ما دامت الدول المتقدمة عاجزة عن التوصل إلى البديل - في ازدياد بدرجة كافية بالقدر الذي يمنح نادي النفط شيئا من القوة التفاوضية، إذن لماذا لا نغير أسلوبنا في مقايضة صفقات النفط المستقبلية بطريقة مختلفة.

لماذا لا نتوقف من اليوم فصاعدا عن قبول الورقة الخضراء التي بدأت أعراض الشيخوخة تدب إلى أوصالها ثمنا لأهم وأخطر مواردنا الاقتصادية، بل نقايضه بشيء آخر يمثل أهمية أكبر لبناء مستقبلنا، بالمعرفة مثلا.

هذا التغيير الاستراتيجي سيكلفنا صياغة نموذج اقتصادي جديد يقوم على قاعدة «النفط مقابل المعرفة»، وعلى النادي الصناعي أن يتمالك أعصابه ويعيد ترتيب حساباته ليدفع ثمن الطاقة التي يتوقف مصير حضارته عليها بهذه العملة الجديدة، هذه العملة ستكون مؤسسات تعليمية حديثة ومراكز متطورة للدراسات والبحث العلمي والتدريب، ومجهزة بكل ما تحتاجه من كوادر بشرية مؤهلة ونظم أكاديمية وإدارية ومناهج ووسائل تعليمية، وعلى هذه المؤسسات إمدادنا وفق خريطة مدروسة بكل احتياجاتنا من العقول والكفاءات البشرية وقوة العمل العالية التأهيل خلال العشرين سنة القادمة.

ومع ذلك فإننا لن نعتبر الثمن مستحقا إلا إذا ظهرت عندنا بواكير جيل يفكر بحكمة، ويخطط بمنهجية، وينظّم بمعرفة، ويعمل بجدية، ويبتكر بتميز، وينتج بجودة، ويقيّم بموضوعية، ويحاسب بعدالة، عندها فقط ستبدأ كفتا الميزان في العودة إلى نقطة الاتزان، وعندها فقط سنمنحهم إيصال استلام الثمن المتفق عليه.

وعندما تنقضي تلك السنون العشرون، وتبدأ طقوس مراجعة حساب الخطة مع الواقع، فإنه لا ينبغي على نادي النفط أن يفرح بمقارنة نفسه بنادي الصناعة في شبكات الطرق والمواصلات ولا في الأبنية الذكية ولا في أسلوب الحياة اليومية ولا في إحراز البطولات الرياضية الدولية ولا في الفن الهابط ورذائل الأخلاق.

أما إذا بلغ نفس ما وصلوا إليه في الجامعات ومراكز البحث العلمي ومؤسسات الإنتاج الصناعي والزراعي والمستشفيات والمكتبات، وبدأ يصبح في استطاعته حينذاك أن يضيف إلى الحضارة البشرية مساهمته من إبداع علمي وتقني وفكري وثقافي، أو ما يمثله من نسب مئوية في حجم التبادل التجاري العالمي، فعليه آنذاك أن لا يزيد على أن يرسم على شفتيه ابتسامة متواضعة.

كاتب إماراتي