جاهدت بعض الجماعات والتنظيمات السياسية ذات الإسناد الإسلامي طويلاً حتى تتكيف مع الشروط السياسية للدولة الحديثة، مدنية الطبع وقطرية التطبع، وكان في مطلع هذه الجماعات «الإخوان المسلمون» الذين أدركوا مبكرا أن السياسة هي الجسر الذي يعبرون عليه من الدعوة إلى الدولة، فانخرطوا فيها ما وسعهم.
ومارسوا بها أقصى درجة ممكنة من سماتها التي تقوم على المخاتلة والتلاعب والمداورة والمحاورة والمراوغة وتبديل التحالفات وتغيير الأقنعة، وقدموا بذلك نموذجا وعبدوا طريقا سار عليه الإخوان في الأقطار العربية الأخرى، الذين يعدون من حيث المنشأ امتدادا لـ «إخوان مصر».
وانتهت المسيرة الإخوانية تلك بتسليم كامل بجدوى الممارسة السياسية السلمية، فشارك الإخوان في الانتخابات التشريعية، متوسلين بها طريقا آمنا للتمكن السياسي والاجتماعي، حالمين في الوقت ذاته بأن يصلوا إلى سدة الحكم. وتفاوت مستوى نجاح الإخوان، وغيرهم من «الإسلاميين».
في حصد ثمار خوض غمار الانتخابات من بلد عربي إلى آخر، فباتوا في بلد مثل المغرب شريكا في السلطة، وحدث الأمر نفسه في الأردن خلال مرحلة سابقة، واقتربوا كثيرا من دوائر صنع القرار في الكويت واليمن، وحققوا نجاحا ملموسا في البحرين.
وكذلك في الانتخابات المحلية الأولى في تاريخ المملكة العربية السعودية، وأصبحوا قوة المعارضة الرئيسة في مصر، وتسلموا السلطة في فلسطين. وتعاظم تواجد الإسلاميين على الساحة العربية عموما، وصاروا يشكلون ملامح بديل متكامل الأركان للنظم الحاكمة، خاصة مع تصاعد جماهيريتهم، التي تعتمد على امتلاكهم أدوات عدة للحشد والتجنيد وتعبئة الناس حول برامجهم ومسالكهم.
لكن الخط البياني للإسلاميين بدأ يتراجع في الآونة الأخيرة، فلم يحققوا بالمغرب في الانتخابات التشريعية الأخيرة ما كان متوقعا لهم، وحدث الأمر نفسه بالكويت، وكان التراجع واضحا في الحالة الأردنية حيث حصدوا ستة مقاعد فقط في الانتخابات الأخيرة بينما كانوا يشغلون سبعة عشر مقعدا في الدورة السابقة لمجلس النواب.
وهذا التراجع الذي يشكل هزيمة سياسية، حال الأخذ في الاعتبار أن الإخوان تقدموا باثنين وعشرين مرشحا، أدى إلى استقالة مجلس شورى الجماعة. وفي مصر لم يستطع الإخوان الذين حصدوا ثمانية وثمانين مقعدا في «مجلس الشعب» أن يحصدوا أي مقعد في انتخابات مجلس الشورى، الذي تشرف عليها وزارة الداخلية وليس القضاء، فيما لا يعتقد أن بوسعهم أن يحققوا رقما ذا بال في الانتخابات البلدية المنتظرة، للسبب نفسه.
أما في فلسطين فإن فوز حركة المقاومة الإسلامية «حماس» بأغلب مقاعد المجلس التشريعي الفلسطيني بواقع 76 مقعدا مقابل 43 لمنافستها الرئيسة فتح، فقد انتهى بإخفاق كامل في إدارة الأوضاع في الضفة الغربية وقطاع غزة، نظرا لعدة عوامل لم تمكن حماس من أن تمارس الأدوار المنوطة بمن يصل إلى السلطة، لتحاصر وتعزل وتساق إلى فشل مدبر، ساعد عليه عدم دراية الحمساويين بالفروق الجوهرية بين «المقاومة» و«السلطة» وافتقادهم لقرون استشعار تحسسهم وتفهمهم أن المقاومين لا يصح أن يحكموا بينما أسباب المقاومة لا تزال قائمة، حيث استمرار الاحتلال، والممارسات الإسرائيلية العدوانية.
وتجارب جماعة الإخوان المسلمين في مصر والأردن وفلسطين مع الانتخابات لم تفد الديمقراطية في البلدان الثلاثة بدرجة ملموسة، بل حدثت انتكاسة على مستوى الفهم والفعل الديمقراطي على النحو التالي:
1 ـ دبرت حماس ما يشبه الانقلاب على السلطة حين قضت على وجود المعارضة المتمثلة في حركة فتح بقطاع غزة، متذرعة بأنها قد اتخذت خطوة استباقية أجهضت بها خطة فتحاوية للنيل من نفوذ حماس وتصفية قوتها، وإجبارها على التنازل عن الحكم.
وبغض النظر عن مدى وجاهة هذه الأسباب أو تلك الذرائع من عدمه فإن الطريقة التي تصرفت بها حماس تعد في خاتمة المطاف خروجا عن القواعد الديمقراطية، التي أتت بها إلى السلطة في انتخابات نزيهة شهد لها العالم أجمع.
2 ـ بعد حديث جماعة الإخوان المسلمين في مصر باستفاضة عن «الدولة المدنية» والإيمان ب«مبدأ المواطنة» والانتماء لمصر أولا، قدمت الجماعة ما أسمته مشروع برنامج حزب سياسي تعتزم تأسيسه، انطوى على تراجع نسبي عن كل هذه المبادئ، وميل واضح إلى الدولة الدينية «الثيوقراطية».
ورغم اعتذار الإخوان عن هذه الخطوة، وتأكيدهم أن ما تقدموا به ليس برنامجا نهائيا إنما هي مسودة أولية، فإن ما جرى أظهر أن الجسم الغاطس من الجماعة أقوى بكثير من الجزء الظاهر للناس، والمتمثل في شخصيات تجيد تجميل الصورة، أو التحدث إلى المختلفين في التوجهات السياسية بطريقة عصرية، تحمل قدرا من احترام الديمقراطية، سواء على مستوى القيم التي تنطوي عليها، أو الإجراءات التي ترتبط بها.
3 ـ بدا أداء الإخوان في الأردن يخرج أحيانا عن قواعد اللعبة المرسومة للجميع، والتي تغلب الاستقرار على ما عداه، وتميل بالطبع إلى إعطاء الأولوية للمصلحة القُطرية الأردنية، وتسعى إلى الحفاظ على تواجد المملكة الأردنية الهاشمية ووجودها، نظرا لحساسية وضعها الجغرافي والسياسي في إطار إقليم ملتهب.
خاصة بعد احتلال العراق ونشوب حرب في لبنان وتفجر الأوضاع في فلسطين واستمرار حالة من الجفاء أو البرودة في العلاقة مع سوريا. وهذا الخروج الإخواني جعل مؤسسة «القصر» التي كانت قد تدخلت في السابق لإعطاء الإخوان فرصة سياسية ثمينة، تعدل عن توجهها هذا، متعللة بأن الأمن القومي الأردني يتطلب هذا. ومثل هذا الوضع أثر سلبيا على المسيرة الديمقراطية الأردنية، خاصة ان الإخوان اتهموا الحكومة بتزوير الانتخابات السابقة.
وهذه الأوضاع عموما جعلت الإخوان، سواء في مصر أم في الأردن وفلسطين، لا يزالون يمثلون خصما من رصيد الديمقراطية، التي لا تزال بدورها، ومن حيث المنشأ، تواجه صعوبات جمة، مع تمسك أنظمة الحكم العربية عامة بطرق تتدرج من الدكتاتورية والطغمائية إلي الشمولية.
وكان بوسع الإخوان في البلدان الثلاثة أن يقدموا نموذجا يحتذى، نظريا في الحالتين المصرية والأردنية، وعمليا في الحالة الفلسطينية، وأن يترجموا الفرصة التي أتيحت لهم بفعل ظرف سياسي استثنائي يتمثل في الضغط الخارجي على الأنظمة العربية كي تصلح من نفسها إلى فعل سياسي خلاق، يجعل بوسعنا أن نقول إن الإسلاميين قد وعوا الدرس، واقتنعوا أن الديمقراطية هي القاعدة الرئيسية التي تحكم التنافس السياسي السلمي، وليست مجرد وسيلة أو إجراء مؤقت يستعمل مرة واحدة، ثم يلقى في سلة المهملات، وتستدعي أساليب سياسية عفا عليها الزمن.
مدير مركز أبحاث ودراسات الشرق الأوسط ـ القاهرة