الرسالة التي أرادت الوزيرة رايس إبلاغها، خصوصاً فيما يتعلق بالشرق الأوسط، عن طريق كلمتها في افتتاح مؤتمر دافوس الاقتصادي؛ هي أن إدارة بوش ليست في وارد إعادة النظر في توجهاتها، ناهيك بتصحيحها؛ خلال السنة الأخيرة المتبقية لها في الحكم. مع أنها اعترفت بوقوع أخطاء وتوقعت المزيد منها. و بذلك فإنها كانت إمّا بصدد محاولة تسويق ما تعذر تسويقه في سبع سنوات وبالتأكيد هو متعذر في سنة واحدة؛ وإما كان كلامها مكابرة وإصرار على نهج، لم ينتج غير الخسائر والكوارث.
تقول رايس إن «الولايات المتحدة ترفض التخلي عن مبادئها». وفي هذا السياق هي عازمة على مواصلة «نشر الديمقراطية» في الشرق الأوسط؛ بالرغم من أنها «أخطأت وستخطئ مستقبلاً. لكنها لن تتراجع عن قيمها»! كان الأجدى للوزيرة أن يبقى كلامها محصوراً بمادة المؤتمر.
لاسيما وأن الشأن الاقتصادي والأزمة المالية الدولية التي عكسها التدهور المؤلم لبورصات العالم في الأيام الأخيرة، هو أحد أشد هموم واهتمامات اللحظة الراهنة.
ثم إن هذه المناسبة هي الفرصة الأخيرة لها، كوزيرة خارجية الولايات المتحدة الأميركية، لمخاطبة هذا المنتدى الدولي غير الاعتيادي، من حيث حجمه ووزنه ومستوى المشاركة فيه. كان ذلك أولى؛ لأنه لا خلاف معها ولا مع الولايات المتحدة؛ حول هذه المبادئ والقيم؛ ولم يطالبها أحد بالتخلي عنها. إذا كانت هناك مطالبة لها بالتخلّي عن شيء وفي الشرق الأوسط بالذات؛ فهي تتعلق بسياساتها.
ما من مرة صدرت فيها دعوات لواشنطن، كي تستبدل منظومة المبادئ والقواعد والآليات الديمقراطية، التي تحكم قناعاتها ونظامها. على العكس هناك إعجاب واسع في العالم؛ بهذه المنظومة. لكن هذا شيء والإصرار على الآخرين لاستنساخها، شيء آخر تماماً. كانت ولا تزال المشكلة مع هذا الطرح ـ العمل على نشر الديمقراطية في المنطقة ـ أنه لا يستقيم. فالعملية ليست نشر قوات، تتوفر لديها الإمكانيات والقدرات العسكرية. فتغزو وتجتاح وتفرض وجودها بالقوة.
لا شك أن الوزيرة تعرف تماماً أن نقل الديمقراطية يتم عن طريق إرساء الأرضية الثقافية لها. وهي عملية مديدة وبالتأكيد اختيارية وبالتالي هي استنسابية وتخضع لقانون التطور. الإصرار على الخطاب نفسه القائم على النشر، وكأن الخيار الديمقراطي بهذه السهولة والأحادية في اللون والآليات؛ لا ينم سوى عن معاندة غير مجدية، وهذا هو الأهم، محاولة تمويه وحجب لحقيقة ولبّ التأزم في المنطقة. التجربة في العراق ناطقة.
بعد حرب واحتلال مفروض بأكثر من 160 ألف جندي وعلى مدى ما يقرب من خمس سنوات؛ فإن البلد ليس في أي مكان قريب من تخوم الديمقراطية. وربما محاولة الفرض عليه، أدّت إلى زيادة ابتعاده عنها. وهكذا هي الحال في أماكن أخرى.
الديمقراطية، بقدر ما هي بضاعة مغرية ومرغوبة، بقدر ما هي نبتة أو صناعة محلية بلدية. ثم إن الترويج لها أمر؛ ومحاولة تركيبها كسلعة مستوردة، أمر آخر؛ ولا مستوردين له. إذا كانت الوزيرة رايس والإدارة التي تنتمي إليها، عازمة وراغبة في نشر ما هو أبدي وأكثر مقبولية في الشرق الأوسط؛ فهو بالتحديد اعتماد واشنطن لسياسات متوازنة تخدم السلام في المنطقة.
الرئيس بوش زعم أنه ملتزم بتسوية للقضية الفلسطينية قائمة على مبدأ الدولتين وعقد مؤتمر أنابوليس في هذا الخصوص. المطلوب ترجمة ذلك من خلال حمل إسرائيل على وقف عدوانها وحصارها ضدّ الشعب الفلسطيني. كما المطلوب الالتزام بحل المشكلات بالطرق السلمية. العلة ليست في المبادئ الأميركية بل في سياسات واشنطن.
