ما طالعتنا به صور معبر رفح أمس، يغنينا عن كل تعليق... ففي فترة وجيزة لا تتجاوز الثماني واربعين ساعة، من تنفيذ جريمة الاحتلال الاسرائيلي بحق أبناء غزّة، بأن قطعت عنهم امداد الوقود وأغرقت كامل القطاع في الظلام، جاءت الصور الموازية صباح أمس، في معبر رفح،حين رفضت سلطات الحدود المصرية دخول اي فلسطيني من بوّابة رفح...

وكأن اسرائيل، قد قذفت بالكرة في الملعب العربي عنوة، حتى تحوّل النقد والسخط من مرماها الى مرمى دول عربية مجاورة لفلسطين المحتلّة... وقد زاد تصريح رئيس السلطة الفلسطينية، الذي كرّر خلاله تنديده بالصواريخ التي تُلقى على اسرائيل والمستوطنات(المستعمرات الصهيونية) ثلاث مرّات، زاد الطّين بلّة ودعّم تلك الخطّة الاسرائيلية في التعامل مع قضية فلسطين وزرع اسفينا بين الفلسطينيين والنظام العربي...

بكل تأنّ نقول، إن الجميع، يعي، ومن «بوّابة» الواقعية السياسية، بأن الحدود العربية ـ العربية، تخضع الى حد الآن، الى اتفاقية «سايكس ـ بيكو» التي عقدتها الامبرياليتان فرنسا وبريطانيا سنة 1916، اي سنة واحدة قبل اعلان «بلفور» الذي اعطى فلسطين لغير أهلها، دون ان يكون من ملاّكها، ونعرف ان الكيان الصهيوني، قام بشطحة من شطحاته المسرحية، منذ مدّة اتّهم فيها السلطات المصرية بأن عينها على الحدود غير جديّة، وأن تسريبا للسلاح من مصر نحو غزّة، هو أمر مؤكد اسرائيليا.

الى هنا، فهمنا وفهم من يعرف الكيان الصهيوني وخبثه، أن اسرائيل تسعى من وراء ذاك الاتهام الذي رفضته مصر جملة وتفصيلا، الى جعل القاهرة في حالة دفاع امام تلك الاتهامات.

يحدث دون ان يستطيع العرب مجتمعين، أن يبلوروا خطابا واحدا له طابع انساني وتحذيري، يقول لاسرائيل والمجتمع الدولي، إنه كلّما عمدت اسرائيل الى تعذيب الناس في غزة ومنع الامدادات الغذائية والصحيّة عنهم، فإن كل البوابات العربية وتحديدا رفح، سوف تُفتح في وجه الفلسطينيين العزّل... وأننا كعرب وكبشر، لا نستطيع ان نرى مرضانا على تلك الحالة التي نراهم عليها كلّما عمدت سلطات الاحتلال الى حرمانهم من أدنى ضرورات الغذاء والدواء...

عندها يكون العرب قد أكّدوا تفوقهم على اسرائيل في حذق فن السياسة. عندها لن تستطيع اسرائيل ان تغرس اسفينا واحدا بين أبناء فلسطين واشقائهم، وسوف تقف اسرائيل عند حدود مسؤولياتها بما من شأنه ان يوقفها عن غيّها.

لكن شيئا من هذا لم يقع، لذلك، رأينا سلطات الحدود في معبر رفح من الجانب المصري، تتصرّف في حدود «سايكس ـ بيكو» وتجاه موجات من الفلسطينيين الغاضبين، أرادوا ان يحتموا بالشقيق.

المشكل، أن العرب الرسميين، ورغم المدّة المحترمة التي قضّاها كل منهم في السلطة، لم يكتسبوا تجربة التعامل مع نفسيّة الجموع الغاضبة من البشر.

فقد كان سينتهي كل تشنّج لو أن صوتا عبر المكبّر، وصل الى تلك الجموع من الجانب المصري في معبر رفح، يطلب منهم الدخول بلا تشنّج، وتعترضهم أحضان أشقّائهم، لأننا نشكّ أن تلك الجموع تريد ان تغادر فلسطين.

نحن نعرف، أن مثل هذا السيناريو غير ممكن، لكن نقول انه سيناريو مطلوب، وهو نوع من المقاومة، مقاومة الاحتلال.

فقد ولّى الزمان، وبكل صدق، الذي يتمنى فيه الفلسطيني على شقيقه العربي اسناد بندقيته على الاقل.

العرب إن هم أقدموا على هذا السيناريو التحذيري، سوف لن يخشوا لائمة لائم، لأننا رأينا العالم الغربي الذي نعرف كم هو منافق، كيف احتضن ابناء برلين الشرقية، ولم يكونوا يفرّون من احتلال بل من أوضاع داخلية، ورأينا نفس الغرب والمجتمع الدولي عامة، يستقبل أهالي «كوسوفو» وغيرهم، فيما لم يحرّك احدهم ساكنا، تجاه الجريمة، جريمة الحرب، التي تمارس في غزة، على يد احتلال بيّن ومنصوص على انه كذلك في أغلب قرارات الأمم المتحدة.

كان أحرى بالعرب، أن يضعوا العالم أمام مسؤولياته وتحديدا «طوني بلير»، الذي يتزعّم الرباعية، على ما يبدو، لكي يطبّق كامل وعد سلفه «بلفور» وليس ليحفظ السلم والأمن الدوليين.

العرب لم يفهموا هذا الأمر، بل هم لا يريدون ان يفهموا لأن الفهم يؤرّق...

لذلك نقول لأهل غزّة: نأسف أبناء غزة.