شاهد العالم بشكل لا لبس فيه الوحشية والهمجية الإسرائيلية التي تنتهك أبسط حقوق الإنسان العربي الفلسطيني المسلم بعد أن قطعت شوطاً كبيراً على طريق مصادرة حقوقه السياسية والتاريخية والقانونية.

فالمجتمع الدولي واللجنة الرباعية الدولية ومؤسسات الأمم المتحدة جميعها يعرف أكثر من أي طرف آخر بما في ذلك العالمين العربي والدولي وحتى السلطة الفلسطينية ما الذي يتوفر للفلسطينيين في قطاع غزة من غذاء ومواد أساسية ودواء ووقود، وأن إسرائيل تتحكم تماماً فيما يدخل إليه ويخرج منه، بما في ذلك ما يدخل ويخرج عبر اقتصاد الانفاق الذي يوفر العديد من المواد التي يفتقد إليها السوق المحلي.

ومع ذلك فالمجتمع الدولي وزعيمته الولايات المتحدة وسيدات الحريات وحقوق الإنسان والديمقراطيات في دول الاتحاد الأوروبي تصر على صمتها الكامل حيال العدوان الإسرائيلي على فلسطين ولبنان على قاعدة لا عين رأت ولا أذن سمعت.

يبرر أرباب المجتمع الدولي ومعهم إسرائيل سياسة الإجرام الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني باستمرار إطلاق الفلسطينيين صواريخ محلية الصنع لم تقتل من الإسرائيليين في المستوطنات المجاورة لقطاع غزة منذ بدء إطلاقها وحتى الآن أكثر من بضعة، الأمر الذي يدلل على أن إسرائيل تمارس ما يدل على مضمونها كدولة عنصرية تمارس الإرهاب ضد المدنيين وتضع نفسها فوق القوانين والأعراف والمواثيق الدولية.

ويعلم أرباب المجتمع الدولي ومعهم إسرائيل أن إطلاق الصواريخ من قطاع غزة تستغلها الدوائر الحاكمة في إسرائيل وقتما تشاء لتحقيق أهداف معينة، ذلك أن حماس أبدت رغبة حقيقية وعملية لوقف إطلاقها وهي قد التزمت بذلك مراراً وتكراراً. بالرغم من ذلك لم يتوقف العدوان الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني والمطلوب ليس وقف صواريخ تأثيرها لا يتعدى كونه سياسيا ومعنويا وإنما المطلوب هو وقف المقاومة الفلسطينية.

إن إسرائيل التي لم تلتزم منذ أول اتفاق سلام مع منظمة التحرير الفلسطينية في أوسلو عام 1993 وحتى مؤتمر أنابوليس عام 2007 ولا باتفاقيات التهدئة السابقة مع الفصائل المقاومة الفلسطينية، ترغب في الالتزام وتسعى وراء تصعيد عدوانها لاستدراج ردود فعل فلسطينية صعبة تتذرع بها لتحقيق أهداف تكتيكية واستراتيجية من أجل أن تفرض وقائع جديدة ضمن الجغرافيا السياسية الفلسطينية والحصول على مزيد من التنازلات السياسية الفلسطينية بما في ذلك من الفصائل التي ترفض الاعتراف بإسرائيل.

إن طبيعة الحصار والعدوان الإسرائيلي تفضح الذرائع والحجج التي تسوقها حكومة ايهود أولمرت، فما تمارسه هو أقسى وأشد أشكال العقاب الجماعي وأقصى أشكال الاستهتار بحقوق الإنسان بما في ذلك حقه في الحياة والوجود على أرضه وتقرير مصيره وممارسة سيادته.

ليس صحيحاً القول ان العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة يهدف لتوظيف نتائجه في الصراع الداخلي الفلسطيني بدعوى أن ثمة تنسيقاً فلسطينياً إسرائيلياً يسعى لتحقيق أهداف محددة مرتبطة بالتوازنات بين الفصائل الفلسطينية، أو أن إسرائيل تساند طرفاً على حساب طرف آخر.

فالسياسة الاستراتيجية لإسرائيل منذ ولادتها وخاصة بعد توقيع اتفاق أوسلو عام 1993 سعت لضرب الوحدة الوطنية وإثارة الفتنة وضرب أي تفاهم أو تقارب بين الأخوة الفلسطينيين لإفشال المشروع الوطني الفلسطيني الساعي لتحقيق الحرية والسيادة والاستقلال.

وليس صحيحاً أن حكومة أولمرت التي تعاني من ضعف وهشاشة الائتلاف الذي تقوده بسبب قوة التناقضات السياسية بداخلها واحتمال انسحاب حركة شاس على الخلفية ذاتها التي انسحب بناء عليها افيغدور ليبرمان، أو تهديد كتلة المتقاعدين التي تحظى بستة مقاعد بالانسحاب في آذار لأن طبيعة الحكم السياسي في إسرائيل تقوم على الائتلاف السياسي منذ تأسيسها ونجح الساسة الإسرائيليون في استغلال هذا الأمر للتهرب من أية التزامات تجاه قرارات دولية أو اتفاقات سلام تتعلق بالقضية الفلسطينية سواء في أوقات السلم أو الحرب.

إذا: ما هي الأهداف الرئيسة للحملة العدوانية الإسرائيلية:

أولاً: إن حكومة أولمرت التي لا سياسة ولا موقف واضح لها إزاء ما يقال عن فرصة متاحة لدفع عملية السلام تهدف بشكل واضح لتعطيل المفاوضات السياسية مع الجانب الفلسطيني وضرب ممكنات عملية السلام على قاعدة محاربة «الإرهاب الفلسطيني».

ثانياً: سياسة العدوان المستمر ضد الشعب الفلسطيني يمكن إسرائيل من متابعة بناء المستوطنات في الأراضي الفلسطينية لا سيما أن القيادة والفصائل الفلسطينية ستكون مشغولة بوقف العدوان وإزالة آثاره السياسية والإنسانية. كما أن العدوان يحرج المفاوض الفلسطيني الذي سيجد صعوبة بالغة في متابعة المفاوضات فيما إسرائيل تواصل البناء الاستيطاني، وتسقط الشهداء والجرحى، وتعاقب المدنيين الفلسطينيين.

ثالثاً: تتعمد إسرائيل إفشال الخطط الأمنية والاقتصادية التي تنفذها السلطة الفلسطينية من أجل تعميم الفوضى وإسقاط صفة الشريك عن المفاوض الفلسطيني كما فعلت مع الرئيس الراحل ياسر عرفات.

رابعاً: استمرار الرغبة عند حكومة أولمرت للمزايدة على كل المتطرفين الإسرائيليين من داخلها ومن خارجها وللتغطية على فشلها في الحرب على لبنان التي ولدت عقدة لدى الساسة الإسرائيليين ولا يمكن إزالتها إلا بممارسة سياسة البطش والإرهاب ضد الفلسطينيين الذين هم الطرف الأضعف في معادلة الصراع العربي - الإسرائيلي.

خامساً: تريد إسرائيل إضعاف حركة حماس سياسياً دون أن تضحي بالمكاسب المهمة والاستراتيجية التي حققتها بسبب الانقسام الفتحاوي ـ الحمساوي المستمر حتى الآن.

من الواضح أن النهج السياسي الأميركي ـ الإسرائيلي تجاه القضية الفلسطينية وجهان لعملة واحدة وأن الهدف الاستراتيجي لواشنطن وتل أبيب هو بفرض السلام في المنطقة على قاعدة الرؤية الإسرائيلية للسلام أو ما يسمى السلام مقابل السلام مع جزء من الأرض الفلسطينية المحتلة منذ 1967 تقام عليها دولة فلسطينية دون سيادة حقيقية ودون لاجئين ودون القدس الشرقية.

إن على الدول العربية والسلطة الفلسطينية أن يعترفوا بأن إسرائيل غير معنية بالسلام وأنها رفضت المبادرة العربية جملة وتفصيلاً وأن واشنطن ليست مستعدة لممارسة الضغط على حليفتها الأكبر من أجل السلام. بذلك يصبح مطلوباً من العرب أن يعيدوا النظر بحساباتهم ومواقفهم السياسية تجاه ما يسمى بعملية السلام مع إسرائيل لأن الرغبة في سلام حقيقي بين الشعوب المختلفة تعكسه الممارسات العملية للأطراف وتحديداً الطرف الأقوى الذي لم يبد يوماً استعداده بتنفيذ المطالب الدولية وبنود الاتفاقات.

وأخيراً لا بد من التأكيد على أن استعادة اللحمة الوطنية بين جميع الفصائل الفلسطينية وتحديداً فتح وحماس ضرورة أساسية للمضي في المشروع الوطني الفلسطيني لأن استمرار الأوضاع الراهنة بين أكبر وأهم فصيلين يعني الاستسلام للمشروع الإسرائيلي في فلسطين، ولذلك تتحمل هذه الفصائل بالتساوي مسؤولية استمرار الخلافات الداخلية على مستقبل القضية الفلسطينية.

كاتب وباحث سياسي

isam997@hotmail.com