تثير الوثيقة التي أعدها قسم التخطيط السياسي في ديوان رئيس الوزراء الإسرائيلي، مسألة الخصوبة، حيث تظهر ميول واضحة لهبوط الخصوبة في الرحم اليهودي، مع ارتفاع في الخصوبة في الرحم العربي بلغة الأرقام الراسخة على حد تعبير واضعي الوثيقة، في مقارنة بين «اتجاهات الخصوبة» وأرقامها في الوسط العربي الفلسطيني منها في الوسط الإسرائيلي، معتبرة بأن مقياس الخصوبة يحدد بشكل أو بآخر الاتجاهات التي ستحدد ماذا سيحدث في المستقبل الديمغرافي لدولة «إسرائيل».

والخصوبة هي إحدى المقاييس والمعايير التي تحدد النمو السكاني، وتعني بلغة علم السكان (متوسط عدد حالات الولادة للمرأة في حياتها الإنجابية)، فالمجتمع الفلسطيني وفق الوثيقة يعتبر (طليعة الخصوبة) في الوسط العربي بشكل عام، خصوصاً في منطقة النقب جنوب فلسطين المحتلة عام (1948) وهي المنطقة التي أسماها التقرير منطقة «خصوبة شاملة».

حيث كانت بحدود (05,10) حالة إنجابية عام (1999) بينما بلغت في باقي المناطق الفلسطينية (في الجليل والمثلث والساحل مثلاً) بحدود (76 ,4) حالة إنجابية. من هنا فان الوثيقة تقترح تعديل «قانون هلبرت» في إسرائيل، وهو القانون الذي يحدد منح مخصصات مالية للعائلات كثيرة الأولاد، والاقتراح يدعو لزيادة المخصصات الموضوعة حالياً بشكل تصاعدي مع زيادة عدد الأولاد في العائلة الواحدة.

ومن جانب آخر، فان الأمر العجيب بالوثيقة السابقة الذكر، أثارها أمر آخر، ومقياس جديد، اعتبرته مؤشراً مرعباً على مستقبل الدولة العبرية ويهوديتها، وهو مقياس اللغة المستعملة اليومية. فالوثيقة تقول بناء على المعطيات المتوفرة لدى باحثيها وواضعيها بأن عدد الولادات للناطقين بالعبرية في إسرائيل في عام قياسي تم اختياره هو العام (1999) كانت بواقع (571 ,92) مقابل (365 ,39) ولادة عند الناطقين بالعربية.

أي نسبة (70%) إلى (30%)، فالولادات للناطقين بالعبرية لا تعني العرب الفلسطينيين وحدهم بل تعني أيضاً اعداداً من اليهود ذوي الأصول العربية الذين لم يتمكنوا إلى الآن من إتقان اللغة العبرية والاندماج في المجتمع اليهودي، وهو ما اعتبرته الوثيقة خللاً خطيراً يجب تصحيحه للوصول إلى نسبة لا تقل عن (80%) للولادات للناطقين بالعبرية.

وفي نقاش آخر، تتعرض الوثيقة لميزان الهجرة الاستعمارية التهويدية إلى فلسطين، معتبرة بأن هناك فقداناً «للتوازن في الهجرة إلى إسرائيل»، فالوثيقة ومعها أيضاً مصادر إسرائيلية رسمية ثانية، تؤكد تراجع أرقام الهجرة اليهودية باتجاه فلسطين المحتلة بشكل كبير ولافت، خصوصاً من دول وجمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق، حيث اجتذبت إسرائيل أكثر من مليون يهودي من الدول المشار إليها خلال عقد التسعينات من القرن الماضي.

كما أظهرت المعطيات والأرقام التي قدمتها الوثيقة استناداً إلى ما نشرته الوزارة المعنية بشؤون الاستيطان الاستعماري الاجلائي الصهيوني والمسماة بـ وزارة «الاستيعاب» الإسرائيلية أن هجرة اليهود إلى إسرائيل واصلت تراجعها عام (2007) المنصرم عن سابقه.

فقد بلغ عدد اليهود الذين قدموا إلى فلسطين المحتلة (19700) شخص، وهو أدنى مستوى له منذ حوالي عشرين سنة مضت، لتبلغ نسبة التراجع (6%) مقارنة مع العام (2006).

وعليه يتبين لواضعي الوثيقة أن عامل تراجع في الهجرة التهويدية أسهم بإحداث الخلل الديمغرافي بين العرب الفلسطينيين واليهود في ديمغرافيتنا. فخلال السنوات الثلاث الأخيرة جاء إلى إسرائيل (631 ,21) يهودياً في كل عام، وهاجر منها عائداً إلى موطنه الأصلي (800 ,24) يهودي في كل سنة بعد أن حصل فقط على الجنسية الإسرائيلية في كل سنة. أي أن ميزان الهجرة يصبح سلبياً.

وفي التوصيات الأخيرة التي توردها الوثيقة، فإنها تدعو لإجراءات تنضح بالعنصرية الصارخة المختبئة في ثوب القلق الديمغرافي ضد الشعب الفلسطيني الصاحب الأصيل على أرض وطنه التاريخي.

من خلال ما أسمته «إجراءات معينة» دعت للإسراع بتنفيذها في إسرائيل، عبر «تقليص الفجوة المتأتية عن النمو السكاني بين اليهود والعرب» في الأعوام القادمة عبر تشجيع الهجرة الاستيطانية التهويدية إلى فلسطين المحتلة من منابعها (التي كادت أن تنضب) في دول الاتحاد السوفييتي السابق ومن الدول الأوروبية وإثيوبيا والأرجنتين، وتقليص الهجرة المعاكسة، وتشجيع إضافة طفل أو اثنين للعائلات قليلة الأولاد (لليهود فقط) من خلال إغراءات جديدة وتسهيلات صحية وتعليمية.

كاتب فلسطيني ـ دمشق