المظاهرات الشعبية الغاضبة التي تفجرت في العديد من العواصم والمدن العربية والإسلامية من نواكشوط الموريتانية، وطنجة المغربية مرورا بالقاهرة المصرية والخرطوم السودانية وصنعاء اليمنية، وفى عمان وبيروت ودمشق العربية تضامنا مع المسيرات الشعبية الفلسطينية، ودعما لانتفاضة الرجال والشباب المحاصرين الأبطال ضد ممارسات العدوان والإجرام والبلطجة الهمجية.

في استجابة لنداءات الأطفال ، ولصرخات النساء، ولدعوات الشيوخ، حاملين الدروع واللافتات والشموع تحديا لظلم وإظلام المحتلين المعتدين الصهاينة الأعداء، واستغاثة بالأشقاء والأقرباء والأصدقاء لحماية كل الشعب الفلسطيني في الضفة وغزة، ولكسر الحصار اللا إنساني المخالف للقوانين الدولية الإنسانية على غزة، ومساندة للمقاومة الوطنية الفلسطينية المشروعة ضد جرائم حرب الاحتلال الصهيوني غير المشروع، مرددين بصوت عال «وا إسلاماه .. وا عروبتاه»..

ولكن نسي هؤلاء أنهم يعتصمون بغير معتصم بعد أن غاب زمان المعتصم بالله وحل زمان المعتصمين بأميركا، لأن بعض قادة العرب والمسلمين المختلفين والمنقسمين على القضايا الفرعية فيما بينهم ضيعوا وحدتهم وبددوا قدرتهم على الفعل في القضايا الرئيسية، عندما أصبح حرصهم على نيل رضا خصومهم وأعدائهم أكبر من حرصهم على نيل رضا شعوبهم وأشقائهم، فأصبحوا وأصبحت شعوبهم معهم الآن في زمان غير الزمان!

لأن الخليفة المعتصِم بالله الذي هب على الفور استجابة لاستغاثة امرأة مسلمة واحدة في «عمورية» حين نادته على البعد «وإسلاماه .. وامعتصماه»، والذي لم يتردد في تجييش الجيوش ضد الإمبراطورية الرومانية العظمى في عصرها بما يماثل الإمبراطورية الأميركية العظمى في عصرنا، قد غاب زمانه وندر مثيله بعد الانقسام والضعف والوهن الذي أصاب العرب والمسلمين في ظل انقسامهم وتنازعهم وتناقضهم الفكري والسياسي والمذهبي، ولاشك أن المقدمات لابد ان تقود إلى النتائج، وبينما تؤدي المقدمات السليمة إلى نتائج سليمة، تؤدي المقدمات السقيمة إلى نتائج سقيمة.

وحينما لا تعالج النتائج السقيمة بمسئولية وإخلاص وجدية تتفاقم بتداعيات وخيمة وتخلق واقعا خطيرا، وحينما نصم الآذان عن سماع صفارات الإنذار المنبهة لحالة الخطر، ونغمض الأبصار عن تقدير مدى خطورة الواقع الذي وصلنا إليه بفعل مقدماتنا غير السليمة ووسائلنا العقيمة، وانقساماتنا بسبب أغراضنا الصغرى اللئيمة، تتعدد الأجندات، وتتفرق الصفوف، وتتصارع الإرادات.

فيتحول الخطر الواحد إلى أكثر من خطر، ويزداد حجم الأخطار المحيطة بنا وتزداد تعقيدا، فنواجه المجهول أو ننفجر في أنفسنا في أشكال فتن أهلية، ومحاور عربية، وشكوك عربية إسلامية، ويصيبنا الشلل أو الجمود جميعا وتتعثر حركتنا عن السير باتجاه الوحدة والحرية والتنمية والعدالة والأمن التي هي أهداف شعوبنا الكبرى العظيمة.

بما يصنع الفراغ الذي يتمدد فيه غيرنا على حسابنا جميعا، وبما يغري أعداءنا على الهجوم وفرض شروطه علينا بعدما نكون قد أسقطنا بأيدينا وسائل مقاومتنا وآخر ما لدينا من أسلحة الدفاع!

في واقع عربي وإسلامي هذه وقائعه المؤسفة وهذه مقدماته ووسائله ونتائجه المفلسة، وتزداد فيه الفجوة تدريجيا بين القول والفعل الرسمي عن الفكر والأمل الشعبي، بفعل ما يبدو من سوء المقدمات وسوء الوسائل وسوء النتائج أوصلنا إلى ما نحن فيه الآن.

وفي ظل واقع دولي يتصدر قياداته ويتسلط على منظماته ويتحكم في قراراته وحيد القرن الأميركي بمغامراته العسكرية الفاشلة، وخطاياه السياسية القاتلة، ورؤاه الإمبراطورية المنحازة والغافلة التي يحكمها لوبي السلاح ولوبي النفط الأميركي بقيادة اللوبي الصهيوني الأميركي، وفي ظل شعارات فاقعة وتطبيقات فاجعة بمعايير مزدوجة تنقلب على هذه الشعارات، تضع أطماعها غير المشروعة ،بالقوة العسكرية الغاشمة.

وبالضغوط السياسية الظالمة، وبالضغوط الاقتصادية المتحكمة، فوق مبادئها المعلنة المشروعة، لم يعد يملك معظم النظام الرسمي العربي أحيانا ليس واجب الفعل فقط بل حتى حق الإدانة، بل ويحرم على شعوبه ونواب برلماناته غالبا حتى واجب الاستنكار!

لكن ذلك لا يجعل أمامنا من معتصَم إلا أن تنادى شعوب المعتصِم كل معتصميهم مرات ومرات حتى يستجيبوا للتحدي كما استجاب المعتصِم.. «واإسلاماه .. واعرباه».

mamdoh77t@hotmail.com