من وجهة النظر الأميركية كانت أفضل مرحلة ازدهرت فيها علاقات الولايات المتحدة مع السودان هي الفترة من عام 1972 إلى عام 1983، هكذا أعلن السفير الأميركي الأسبق لدى السودان دونالد باترسون من خلال محاضرة في عام 1991 أمام جمع من الدبلوماسيين التابعين لوزارة الخارجية السودانية، وكان إعلاناً ذا مغزى.
ذلك أن عام 1972 كان العام الذي استكمل فيه الرئيس جعفر نميري عملية استئصال الحزب الشيوعي السوداني وإقصائه نهائياً من الحياة السياسية السودانية بينما عام 1983 تميز في عهد الجنرال الدكتاتور نفسه بأنه العام الذي أعلن فيه تطبيق الشريعة الإسلامية من خلال حزمة قوانين اشتهرت باسم «قوانين سبتمبر».
المغزى ذو طابع ثنائي: فمن ناحية سعت الولايات المتحدة بالنهاية المأساوية الدموية لأكبر حزب شيوعي في القارة الإفريقية وأقوى تنظيم ماركسي في المنطقة العربية.
ورغم أن إدارة الرئيس رونالد ريجان (1980 ـ 1988) كانت تدرك أن الجنرال نميري لم يكن جاداً في توجهه الإسلامي إلا أنها خشيت أن تشكل خطوته سابقة إسلامية في الحكم قد يأخذها مأخذ الجد من قد يخلفون نميري في السلطة، لكن مع ذلك لم تكافئ الإدارة الأميركية السودان ممثلاً في نظام نميري على إنجاز الجنرال في تدمير الحزب الشيوعي. كان انجازاً قدمه النظام مجاناً إلى الولايات المتحدة.
الآن نرى مشهداً مختلفاً. فبعد اجتماع مطول عقد خلال الأسبوع الجاري بين د. مصطفى عثمان إسماعيل مستشار الرئيس البشير للشؤون الخارجية والقائم بالأعمال الأميركي في الخرطوم ألبرتو فيرناندز قال المستشار إنه بعد أن دعت الحكومة السودانية الولايات المتحدة إلى تطبيع العلاقات بين الدولتين فإن الخرطوم لن تقدم مواقف مجانية لواشنطن، وقال المستشار السوداني إنه أبلغ القائم بالأعمال بضرورة وضع خريطة طريق تشمل تحديد التزامات على كل من الطرفين يتم الوفاء بها بالتوازي وفق مواقيت زمنية محددة، وهنا شدد المستشار على أن على الولايات المتحدة أن تعلم أن الحكومة السودانية «لن تقدم شيئاً بالمجان».
ربما يقال إن المستشار السوداني لم يأت بشيء من عنده.. فالتكافؤ في تبادل المنافع هو القاعدة الأساسية التي تحكم العلاقات بين الدول في ساحة المعاملات الدولية. لكن هل تلتزم الولايات المتحدة بهذه القاعدة؟
التعامل مع أميركا طريق ذو اتجاه واحد. فهي تريد أن تقتصر أي علاقة لها مع دول العالم على الأهداف والمصالح الأميركية.. تريد خدمات مجانية، الولايات المتحدة تتعامل مع العالم أجمع بمنظور أمني صرف، وبذلك تظل علاقاتها مع الدول محصورة في أسطورة «الإرهاب» فالدبلوماسية الأميركية لا تعرف التعاون الاقتصادي التنموي القائم على أسس النفع المتبادل، فالأخبار اليومية التي تأتي من واشنطن على مدى عقود زمنية بشأن التعامل الأميركي مع بلدان العالم الثالث لا تنبئ عن أشياء مثل إنشاء نظام للتعليم النوعي في دولة ما أو شراكة اقتصادية في مشاريع زراعية أو أنظمة ري أو إقامة مستشفيات.
ما يصدر من واشنطن تجاه العالم الثالث هو عقوبات تلو عقوبات، لهذا تحبذ الولايات المتحدة التعامل مع أنظمة على استعداد لتجاهل اعتبارات السيادة الوطنية في سبيل تقديم خدمات أمنية لواشنطن بالمجان.