مرة أخرى يفشل مجلس الأمن الدولي، أو يجري تفشيله، في ممارسة واحد من أهم جوانب دوره: الجانب الإنساني. ترجيح كفة الاعتبارات السياسية وبصورة جائرة، منع المجلس من الوقوف ضدّ عقوبة جماعية، ولو بالإدانة. فقط لأن إسرائيل هي الطرف المطلوب ردعه، أو على الأقل إدانته، وفي ذلك جور مضاعف.
كما فيه زيادة تقليص لدور الأمم المتحدة؛ وتآكل لهيبتها وفعاليتها؛ كأحد أهم صمّامات الأمن والسلم الدوليين، الحصيلة خسائر صافية للشعب الفلسطيني، في غزة ولقضيته؛ كما للسلام في المنطقة؛ ولمجلس الأمن نفسه.
حصار غزة وقطع إمدادات الوقود عنها وما أدّى إليه من تداعيات إنسانية وصحية، فضلاً عما يهدد به ذلك من مخاطر كارثية، تطلّب تدخل مجلس الأمن الدولي. المجموعة العربية تقدمت بمشروع قرار؛ كما بمسودة مشروع بيان رئاسي. لا الأول الإلزامي؛ ولا الثاني غير الملزم، حظي بالموافقة.
والاعتراض الذي قادته واشنطن تذرع أصحابه بخلو المشروعين من الإشارة إلى الصواريخ الفلسطينية وكأنها، بصرف النظر عن أهميتها، تبرر خنق مجتمع بكامله، مع أن معظم أعضاء المجلس؛ دعوا إسرائيل إلى التراجع عن خطوات الحصار المفرطة في قسوتها؛ من عمليات عسكرية وإقفال معابر ومنع مرور أي بضائع أو محروقات إلى غزة، وكرر هؤلاء مطالبة حكومة أولمرت بالعودة عن معاقبة المدنيين بصورة جماعية.
فذلك انتهاك فاضح للقوانين الدولية ولاتفاقية جنيف الرابعة. المسؤولية حتى عندما تكون هناك مسؤولية شيء؛ وفرض العقوبات بالجملة شيء آخر، الأولى لا تشكل غطاء للثانية، لا بالقانون ولا بالسياسة ولا طبعاً بالاعتبارات الإنسانية، بيد أن كل هذه البديهيات لم تكن كافية لتمرير ولو إدانة خفيفة ولا حتى مطالبة لإسرائيل، من جانب الهيئة الدولية، كي تقلع عن محاولة قطع شرايين الحياة عن مليون ونصف مليون فلسطيني.
السفير الأميركي في الأمم المتحدة لم يشأ أن يرى في الأزمة إلا الصواريخ الفلسطينية؛ واستطراداً لم يكن هناك من يرى تحميله المسؤولية وبصورة حصرية؛ إلا الجانب الفلسطيني، تناسى أنه حتى من هذا المنظار؛ لا يقوم بإطلاق هذه الصواريخ غير عدد بسيط من الفلسطينيين، بينما يدفع كل سكان غزة الثمن، وهذه معادلة ظالمة، بل هي مؤازرة فاضحة لإسرائيل، كي تحقق أغراضها التي تتجاوز مزاعمها بكثير، فالمسألة هنا لا تتعلق بقصف ضد المستوطنات. لا سيما أنه لم يتسبب بخسائر يمكن لإسرائيل أن تتلطّى خلفها.
المسألة تدور حول حصار يهدف إلى تجويع وإنهاك شعب بكامله ودفعه إلى أوضاع بائسة تفتك به؛ من خلال حرمانه من أهم احتياجاته الأساسية وتركه فريسة للأمراض وتخريب بيئته وظروفه الحياتية، وكان الأحرى بمجلس الأمن وبالتحديد بمن اعترض على تمرير حتى بيان رئاسي لئلا يخدش مشاعر إسرائيل، أن ينهض بمسؤولياته ويمارس صلاحياته في مثل هذه الحالة؛ التي لا يليق بالمجتمع الدولي أن يكون شاهد زور عليها وممنوعاً عليه التحرك ضدها.
قبل عدة أيام سبق لمسؤول الشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة؛ وزميله المسؤول عن شؤون حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية؛ أن وصفا ممارسات إسرائيل الأخيرة بأنها تشكل جريمة حرب.
كان من مصلحة الأمم المتحدة والسلم في العالم، لو أن مجلس الأمن وخاصة من عارضوا فيه هذا الكلام وتصرف على أساسه، أن ينأى عن خلط السياسي بالإنساني؛ في مثل هذه الحالات التي لا تحتمل المناورات المفضوحة.
